زيارة رئيس مأزوم

لعله ليس من قبيل الصدفة أن تعلن منظمة القاعدة مسؤوليتها عن تنفيذ الهجوم ضد الكنيسين اليهوديين في اسطنبول قبل يوم واحد من وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش إلي لندن، في زيارة رسمية، وكأن لسان حالها يقول أنها ما زالت قوية يافعة، وخطيرة، وان حربه على الإرهاب التي كلفت حتى ألان مئات المليارات من الدولارات جاءت بنتائج عكسية تماماً.

توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، وشريك الرئيس الأمريكي في حروبه ضد العرب والمسلمين، في أفغانستان والعراق، أراد أن تكون زيارة بوش هذه مهرجانا احتفاليا بالانتصار في الحرب ضد العراق، ولكن المقاومة العراقية المتصاعدة أفسدت عليهما هذا المهرجان، وكشفت حجم المأزق الذي أوقع فيه الرجلان بلديهما، وحزبيهما، بل والمجتمع الدولي بأسره.

بغداد التي بدت وكأنها سقطت بدبابتين فقط في التاسع من نيسان (ابريل) الماضي تحولت اليوم إلي مذبح للجنود الأمريكيين، ومن والآهم من الجنود الأجانب، وبات الرئيس بوش ورجاله يبحثون بكل الطرق والوسائل عن مهرب لهم بأقل قدر ممكن من الخسائر.

فمن المفارقة ان الرئيس بوش بات يقولب سياسته في العراق لكي تناسب استراتيجيته الانتخابية، ولهذا بدأ يتنازل عن غروره وتهديداته لسورية وإيران، ويلجأ إلي الدهاء الإنكليزي للعثور علي صيغة جديدة تنقذ ماء وجهه، وتوفر له غطاء للانسحاب من العراق.

فبعد أن جعلوا من مجلس الحكم الانتقالي رمز السيادة الوطنية، ووصفوه بأنه الجسر الأساسي والمثالي لعراق الديمقراطية والرخاء والحريات، انهالوا عليه بفؤوس النقد والاتهام بعد اقل من أربعة اشهر من تعيينه علي أسس طائفية عرقية قصيرة النظر، وبدأوا يبحثون عن طربوش آخر يسلمون السلطة إليه تمهيدا للهروب مهزومين.

انه التخبط الأمريكي في أبشع صوره وأشكاله، التخبط سياسيا والتخبط عسكريا، والتخبط أخلاقيا. فبعد ستة اشهر من إعلان انتهاء الحرب، ها هي القوات الأمريكية تقصف أحياء في بغداد بالصواريخ، وترسل طائرات اف 16 لقصف الفلوجة والانبار وأحياء الموصل، وترصد عشرة ملايين دولار مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن عزة إبراهيم نائب الرئيس العراقي الذي قالت قبل أسابيع انه يتفاوض للاستسلام.

أمريكا غزت أفغانستان، واحتلت العراق، وأطاحت بنظامين ديكتاتوريين من اجل إقامة الديمقراطية ونشر الرخاء، فحولتهما إلي حال من الفوضى وقاعدة للتطرف، وفيتنامين جديدتين، تغرق فيهما القوات الأمريكية في حرب استنزاف دموية، وباتا مصدر خطر على استقرار العالم وسلامه. ولا عجب أن تعتبر غالبية الأوروبيين الولايات المتحدة مصدر خطر على العالم جنبا إلى جنب مع الدولة العبرية، ويتظاهر عشرات الآلاف من البريطانيين ضد رمز إمبراطورية الشر الجديدة أثناء زيارته الحالية للندن.

أمريكا باتت مكروهة على نطاق العالم بأسره بسبب قيادتها المتهورة والحاقدة، وسياساتها العدوانية، وليس بسبب تجربتها الحضارية التي تنصهر فيها كل الأعراق والأديان والثقافات على اسس من العدالة والمساواة. وسيواجه بالكراهية نفسها كل من يؤيد هذه السياسات ويتبناها، وخاصة في العراق والمنطقة العربية.

أليس غريباً ان يطالب السيد جلال الطالباني رئيس مجلس الحكم بإسقاط عروبة العراق، ونسف انتمائه العربي، وهو الذي يصر في الوقت نفسه على التمسك بكرديته وهويته الكردية والوضع المتميز لكردستان العراق؟ وهل هذا هو العراق الجديد الذي يتطلع هؤلاء لأقامته بحماية الدبابات الامريكية؟!

لقاء القمة بين بوش وبلير هو لقاء زعيمين كذبا على شعبيهما والعالم بأسره، وورطا بلديهما والعالم في حرب أسفرت حتى الآن عن مقتل عشرات الآلاف من الأبرياء ودون ان تحقق غير عقود تجارية لبعض ممولي حملة الرئيس الأمريكي الانتخابية.

ان نصف ما انفق في هذه الحرب كان كفيلا بإطعام خمسة وأربعين مليون جائع في العالم، وتمويل مشاريع تنمية توفر فرص عمل لمئات الملايين من الفقراء في العالم الثالث.

فالقضاء على الإرهاب هو بالحلول الاقتصادية الإنسانية، والعدالة في توزيع الثروات، وليس بالحروب الاستكبارية ولهذا جاءت الحربان الأمريكيتان في العراق وأفغانستان، ودعم الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة لتجعل من العالم اقل أمانا وأكثر اضطرابا ولا غرابة أن يكون الشيخ أسامة بن لادن، والرئيس العراقي صدام حسين الأكثر سعادة والأقل تأزما في كهفيهما في تورا بورا أو تكريت.

عبدالباري عطوان     المصدر : القدس العربي 

 

 

أخبار الحمقى والمغفلين السحر الحلال السيرة النبوية الصفحة الرئيسة
كفاية المتحفظ في اللغة  ألفية ابن مالك ألقاب خالدة  الإعجاز في القرآن
المزهر في علوم اللغة ألغاز أدبية المعلقات السبع  الاعتكاف  تاريخ وحدث  صور من حياة الصحابة
 الخط وقوانين الكتابة شعراء معاصرون ديوان المتنبي  النقد الأدبي مواقع إسلامية نساء حول الرسول
المضاف والمنسوب أوائل فضل القلم كتب ومؤلفين منتديات إسلامية أرقام علماءنا الأجلاء
ِحكم و أمثال أول من نوادر من كان فتاوى في الزكاة

فتاوى في الصيام

المراجع إدارة الموقع أرشيف الجامعة شروط المشاركة غرائب الاتفاق قصص الأنبياء