|
تعيش الاوساط السياسية الفرنسية والاوروبية هذه الايام حالة الخوف والفزع والهلع، فبعد فوز بورج هايدر في النمسا وتحالف بيرلسكوني مع الفاشيين، الجدد في ايطاليا جاء لوبن في فرنسا ليحدث زلزالا كبيرا في الفضاء السياسي الفرنسي والاوروبي على السواء. فوز لوبن في المرحلة الاولى جاء ليعبر عن الانحراف السياسي الذي تعيشه اوروبا وعن فشل الاحزاب السياسية الحاكمة في تلبية مطالب الشعوب التي صوتت لها في الانتخابات المختلفة.
اعتبر معظم المحللين فوز لوبن في الدور الاول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية منعطفا سياسيا هاما يعيد الى الاذهان ما حدث سنة 1933 حين فاز هيتلر بالاغلبية واستلم السلطة بشكل «ديمقراطي» ورغم ان كل المؤشرات تقول ان شيراك لا يجد اية صعوبة للفوز بالولاية الثانية في الرئاسة الفرنسية، الا ان سابقة لوبن والتي وضعت متطرفا عنصريا على اعتاب قصر الاليزيه في دولة تتغنى بـ «حرية ـ مساواة ـ اخوة» وبالديمقراطية والتسامح والتعددية، هذه السابقة اثارت وتثير العديد من المخاوف في الاوساط السياسية الفرنسية والاوروبية على حد سواء.
فخلال السنوات الاربع الاخيرة تسللت الاحزاب السياسية المتطرفة في اوروبا الى مقاليد الحكم عن طريق المجالس النيابية والتشريعية ومختلف الهيئات السياسية وبدأ هذا التسلل من قبل الاحزاب اليمينية المتطرفة في سويسرا في شهر اكتوبر 1999 عندما فاز «حزب الديمقراطيين الوسطيين» اليميني المتطرف بالاغلبية في البرلمان الفيدرالي السويسري ليصبح القوة الفاعلة في البلاد وبعد ذلك جاء حزب اخر وهو «حزب الحريات» بزعامة بورج هايدر ليحصل على خمس وزارات في الانتخابات البرلمانية النمساوية التي جرت في شهر اكتوبر 2000.
تزايد المخاوف الصورة في المانيا قاتمة بعد فشل الاحزاب السياسية الحاكمة في تلبية مطالب الجماهير المتزايدة وتخوفها من العولمة والاندماج الذي ادى على المدى القصير الى نتائج تعتبر سلبية بالنسبة لرجل الشارع. من جهة اخرى نلاحظ تورط العديد من الاحزاب السياسية الحاكمة سواء في المانيا او فرنسا او ايطاليا في فضائح الفساد والرشوة واستغلال النفوذ الامر الذي ادى الى نوع من التصويت «العقابي» او الانتقام من الاحزاب الحاكمة او المسيطرة على الفضاء السياسي واعطاء الفرصة للاحزاب اليمينية المتطرفة لعلها تعالج مشاكله وتستجيب لمطالبه عندما تصل الى سدة الحكم وتصبح في منصب صناعة القرار فبعد تورط «الديمقراطيين المسيحيين» في اعمال تتنافى مع اخلاقيات العمل السياسي تتزايد المخاوف من تسلل «النازيين الجدد» الى مقاليد الحكم في المانيا وكسر التوازن التقليدي للقوى السياسية في البلاد والذي عرفته المانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
الوضع في ايطاليا يشير كذلك الى نفس الظاهرة وبروز الرجل الثالث او البديل الذي يخلف القوى التقليدية المسيطرة على مقاليد الحكم والتي اتسمت بالفساد السياسي والفضائح والفشل امام تحديات الشارع العديدة، اعطى سيلفيو برلسكوني الفرصة في ايطاليا لرابطة الشمال «الفاشيين الجدد» للتسلل الى الحكومة سنة 1996 وقام بنفس التجربة في حكومته الحالية التي تضم امبيرتو فوشي ممثل الفاشيين الجدد.
عدوى اليمين المتطرف وصلت الى الدول الاسكندنافية المعروف عنها قوة الاقتصاد وقلة عدد المهاجرين والاستقرار والتسامح.. الخ. ففي النرويج والدنمارك يلاحظ تسلل الاحزاب اليمينية المتطرفة الى مواطن السلطة والسياسة، فمن سويسرا الى فرنسا الى ايطاليا الى هولندا الى بلجيكا الى النمسا الى الدنمارك والنرويج نلاحظ الصعود الملفت للحركات اليمينية المتطرفة.
ماهي الاسباب يا ترى؟ وما هي التداعيات؟ هل مستقبل الاتحاد الاوروبي في خطر؟ هل هو اعلان عن افلاس احزاب اليسار؟ ام ان الديمقراطية التقليدية الغربية تهددها رياح العولمة؟ أم ان الامر يتعلق بضرورة تخليق العمل السياسي في اوروبا؟ هل ظاهرة اليمين المتطرف زلزال عابر ام انها ظاهرة لها جذورها ولها مستقبل في الفضاء السياسي الاوروبي؟ ام انها عودة الى الحركات القومية التي سادت اوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر؟ هل الامر يتعلق بظهور قوة ثالثة ام بديل لكسر هيمنة القوتين السياسيتين على الحكم في القارة العجوز، سواء تعلق الامر بـ «المحافظين» و«الجمهوريين» في الدول الانجلوساكسونية او «الاشتراكيين» و«الديجوليين» في فرنسا او «اليسار الديمقراطي» ضد «الديمقراطيين المسيحيين» في بقية دول اوروبا الغربية؟ هاتان الكتلتان تعودتا تداول الحكم بينهما منذ خمسين سنة بدون تغيير واقع الاقتصاد ووضع الشارع ومما زاد في تعقيد الامور لصالح الرجل الثالث او البديل عدم نجاح الاحزاب الحاكمة في الدول الاوروبية وخاصة المانيا وفرنسا في تجاوز الضائقة الاقتصادية من بطالة وكساد، وتداعيات الوحدة الالمانية من جهة و«اليورو» من جهة اخرى، وبقيت وعود الاحزاب السياسية حبرا على ورق مما اثار غضب الشارع على الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سادت في عهد الحكومات الاشتراكية واليسارية المختلفة وجعله ينتقم لصالح الاحزاب اليمينية المتطرفة.
ظاهرة متجذرة من جهة اخرى نلاحظ الظروف الدولية الراهنة وخاصة ظروف ما بعد احداث 11 سبتمبر التي اججت النعرات القومية، واستغلت من قبل جهات عديدة لزرع العنصرية والحقد والكراهية ضد المهاجرين وخاصة العرب والمسلمين منهم، الامر الذي فتح ومازال يفتح الباب على مصراعيه امام الاحزاب المتطرفة لتأكيد اطروحاتها وبرامجها السياسية.
ومن الاسباب التي ادت الى تنامي اليمين المتطرف في اوروبا العولمة التي وان افادت القارة العجوز، الا ان امريكا مازالت تسيطر وتتحكم في مقاليد التجارة العالمية والاقتصاد العالمي، وما موقفها من فرض الضرائب الجمركية على الصلب الاوروبي الا مؤشر من مؤشرات الهيمنة الامريكية على القارة العجوز وكذلك ما يتعلق بالسياسات الدفاعية والسياسات البيئية (معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ وعدم توقيعها على بروتوكول كيوتو).
من جهة اخرى نلاحظ تدفق المهاجرين باعداد كبيرة الى اوروبا، نظرا للظروف التي يمر بها الاقتصاد العالمي والاوضاع السياسية والاقتصادية السيئة التي تعاني منها معظم دول الجنوب، وما يزعج الاوروبيين اكثر هو وجود حوالي 20 مليون مسلم على اراضيهم حيث يعتبرهم الشارع الاوروبي خطرا على امنهم وهويتهم وثقافتهم اما اليمين المتطرف فيرجع كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الى المهاجرين وهي ورقة قد يضلل بها الرأي العام في الكثير من الاوضاع والحالات.
ان تنامي وانتشار اليمين المتطرف في اوروبا ينذر بعدة مؤشرات مهمة من اهمها: افلاس الحكومات الاشتراكية واليسارية التي لم تستطع ان تفي بوعودها وتستجيب لمطالب الشارع خاصة فيما يتعلق بالبطالة والكساد، ومن جهة اخرى يؤخذ على هذه الحكومات تورطها في الفساد وسوء الادارة الامر الذي يستلزم اعادة النظر في الأخلاق التي تسير وتدير العمل السياسي في القارة العجوز. وكذلك نلاحظ ان المتضرر الكبير من زحف اليمين المتطرف الى مواطن صناعة القرار في الحكومات الاوروبية هو الاتحاد الاوروبي ومشروع اوروبا الموحدة، حيث ان الاحزاب اليمينية تعارض فكرة الوحدة الاوروبية جملة وتفصيلا وتقلل من أهميتها ودورها في الاقتصاد العالمي، كما تميل في طرحها الى تشجيع السياسات الانعزالية والمحافظة على الثقافات المحلية والهوية الوطنية. فأول ما صرح به لوبن عقب نتائج الدور الأول في الانتخابات الرئاسية الفرنسية هو «اخراج فرنسا من الاتحاد الاوروبي والغاء العمل باليورو واغلاق الحدود مع بقية دول الاتحاد الاوروبي».
ظاهرة اليمين المتطرف ليست ظاهرة عابرة ولا هي موضة القرن الحادي والعشرين، وإنما هي ظاهرة لها جذورها في التاريخ السياسي الاوروبي ولها اتباعها في الشارع، ومن ثمة فبامكانها ان تشكل بديلاً لأنظمة أكدت افلاسها وابتعادها عن مطالب الشارع.
أما بالنسبة للعرب والمسلمين المقيمين في أوروبا فنجاح اليمين المتطرف في وصوله الى السلطة يعني اقصاءهم وطردهم والتخلص منهم عن طريق قوانين تكون جائرة وعنصرية. |