في البدء كانت الحيلة 1

مقدمة

ما الشيء الذي يجمع بين جحا وميكي ماوس؟ بين أبي حنيفة وأرسين لوبان، بين ابن آوى وحديدان الحرامي، بين "سكابان" والصعلوك…؟ قد يبدو غريبا هذا التنقل السريع بين الثقافات والأزمنة، بين أنواع الفنون الأدبية المختلفة، البعيدة كل البعد عن بعضها. سنحاول في هذه المقالة، أن نبين وجود خيط سميك يجمع بين هذه الأشكال المتعددة من الإبداع، بين هذه الشخصيات المعروفة وأخرى لا تتمتع بنفس الشهرة. خيط "أريان" هذا الذي يسمح لنا بالتجول عبر متاهات الحكايات العالمية المتشعبة هو الحيلة. قد يبدو هذا الرابط هزيلا نظرا لتنوع المواقف والثقافات، وغرابتها… ولكن بعد التمحيص والتحليل سوف يتبين عكس ذلك. هذا ما نطمح إليه على الأقل… وقد يتبدى لنا في آخر المطاف أن أنجع طريق للتجوال بين الثقافات والعصور المختلفة هو سلوك طريق الحيلة. فقد تكون هي الخاصية المشتركة بين الشعوب عبر الأزمنة والأمكنة. كل ثقافة أخذت حظها الوافر وترجمت حصتها في أدبياتها الشفوية والكتابية، السمعية والبصرية؛ وذلك منذ أقدم مراحل تطور البشرية… ففي البدء كانت الحيلة، هذا على الأقل ما سجلته أساطير الشعوب الأولى التي تحكي عن صانع الكون الشاطر… هذا ما سوف نفصله فيما بعد. وكالحكمة تبعثرت الحيلة شتاتات صغيرة في جميع أنحاء المعمور، عندما ارتطم العدن التي كانت محفوظة فيه مع جذع شجرة بسبب تهاون حاملتها، السلحفاة، كما تحكي أسطورة إفريقية. فمنا من جمع الكثير ومنا من كان نصيبه الغبن والغفلة. ولا ننسى أن الحيوانات عندما تريد أن تعرف الإنسان فيما بينها تقول: "هو ذلك الكائن المحتال"، هذا ما جاء في حكاية "الإنسان والحيوانات"، حكاية الأسد الذي تعلم من هو الإنسان عندما سقط في فخه(1).

لم تحظ الحيلة بمثل الاهتمام(2) في البحث والتحليل الذي حظيت به مثلا الحكاية العجائبية، مع ما لها من بعد أنتروبولوجي عميق ورغم شيوعها وذيوعها، والتصاقها بالأساطير والخرافات، ورغم أنها تكون القسط الأوفر في الترتيب العالمي الذي قام به "آرن وطومسون". فالحيلة تخترق مجالات عديدة، شاسعة، وإن فصلتها مسافات سحيقة: الأساطير، الحكايات الشعبية، الألغاز، الأحاجي، farces, fabliaux, fables الكوميديا بجل أنواعها، القصص والأفلام البوليسية… فالحيلة ليست ظاهرة هامشية، عابرة وبسيطة. بل هي ظاهرة بشرية بعيدة الغور، تطرقت لها كل الآداب العالمية وبلورتها في أنواع السرد المختلفة.

وأدبنا العربي هو كذلك غني في هذا المجال. كثرة النوادر تثير الانتباه، وإن كان قسط كبير لم يصل إلينا، فقد(3) إلى الأبد أو لازال صامدا بين المخطوطات. اهتم بها كبار المؤلفين والمصنفين في اللغة العربية مثل الجاحظ(4) والبيهقي والميداني والتنوخي والجوبري وكتب الفقه والمناقب، والليالي(5)، والأغاني(6)، كتب التاريخ والموسوعات، شعر الصعاليك…

 

I - المميزات:

الحيلة ليست هي الغش أو الغرر. ما يفرق بين الحيلة والغش هو ما يفرق بين المطبوخ والنيء، بين الخشن واللطيف، بين المهذب والفظ. الحيلة من جهة الظرف والرقة واللباقة. الفرق ليس دائما واضحا، قد يكون لغويا وأدبيا، في الأسلوب وفي طريقة عرض الأمور، في مستوى التعبير. يبدو هذا واضحا في أدب الكدية. الحيلة أوسع مجالا. قد تهم جميع العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ليس فقط العلاقات الاقتصادية، الحيلة كالحياة، هي مرونة واختراع متواصل وقدرة على التكييف والارتجال والصبر(7).

ويبدو أن الحيلة لا تدخل في مجال القانون. فالضحية المخدوعة لا تذهب أمام القاضي وإن ذهبت فالمخادع يتخلص بحيلة، إن لم يكن القاضي هو نفسه صاحب خدعة. الغرر مصطلح تقني يعرفه الفقهاء تعريفا دقيقا ويذكرون أحواله وحدوده. وكذلك الغش، الذي تتطرق له كتب الحسبة، كالغش في الميزان والكيل وغير ذلك مما قد يتم بين البائع والمشتري… هذه الأمور تبقى أشياء عادية، لها أهميتها وجديتها. أما التحايل فلا يعترف به. مجال الخفاء والخيال والنوادر. هو الذكاء عندما يتوارى، عندما لا يعلن عن نفسه.

الحيلة تقع على مستوى الخطاب أكثر(8). هي من الأمور التي تروى مرة وأخرى، وتنسخ… ما يهم أن هذا التاجر غش هذا المشتري. أشياء تقع كل يوم وفي كل الأسواق وتنسى لحينها. أما الحيلة فتخضع للتأليف والتنميق اللغوي؛ وتدخل في خزانة الذاكرة الشعبية، ونجدها بين طيات الكتب.

والمتحايل يكشف دائما عن قناعه في الأخير. يتلذذ بهذا الفضح، في ابتسامة أو ضحكة استهزاء أو افتخار، أو حرصا على إثارة الإعجاب. كما هو الشأن مثلا في المقامات، وفي الحكايات الشعبية، وفي بعض أنواع الروايات البوليسية. النوادر التي تعتمد على الحيلة كلها تعلن عن نفسها. المخدوع يعرف في النهاية أنه سقط في مصيدة. وقد تكمن هناك حلاوة الخدعة. وليس بالضروري أن تكون هناك ضحية معروفة بالضبط. الحيل المنسوبة لأبي حنيفة هي تحايل مع أحكام دينية صارمة. والذين يبدعونها يتلاعبون بسد جميع الأبواب، جميع المخارج لإظهار براعة الحيلة. وتأخذ النادرة صورة لغز: كيف تخرج من حجرة ليس لها باب ولا نوافذ، سقفها عال، وليس لك فأس. وإذا لم تخرج فسوف تطلق زوجتك، لأنه سبق لك أن حلفت. ويسأل الفقيه، ويأتي بأعجوبة سحرية، ويدلي بحبله من ثقب ما وينقذ الموقف، وتحافظ على زواجك(9). تظهر الحيلة كالمخرج الوحيد عندما تقفل جميع الأبواب. فالحيلة متاهة. هي أطول طريق وأنجعها للوصول إلى الغاية، تتجول في الأزقة، أزقة الفكر والعقل. التواء والتباس يخلق نوعا من الترقب. هل يستطيع المتحايل أن يصل إلى هدفه؟ وكيف؟ وبأية وسيلة، والسبل جميعها غير مؤدية؟ ولكن للمحتال مقدرات فريدة، له عدة أسهم في جعبته. وهذا ما يثير الإعجاب، حتى من طرف الضحية. الافتتان بالحيلة قائم في الأدب الشعبي وحتى في الأدب "الرسمي"، هو افتتان بسراديب الذكاء. فالمخادع يسلك دربا مختلفا عن الدروب والمسالك المتوقعة من الخصم. فمثلا عندما يدخل جحا في مباراة في الخداع مع ند له يريد أن يبرهن على تفوقه في المكائد، تنتهي الخدعة والخصم لا يعلم أنها ابتدأت بعد؛ لأن جحا يأتيه من طريق الغفلة؛ لم يواجهه ولكن أتاه من الجانب(10). فالحيلة البارعة هي التي لا يمكن التنبؤ بها. هي غير متوقعة، كمفاتيح ومخالق المتاهة. مفاجئة للضحية وللقارئ، وقد تكون مفاجئة حتى للمحتال نفسه، لأنه يضع نفسه في موقف حرج، في المحك، إذ يكون هو رهينة خدعة قد تنجح وقد لا تنجح، وإن كان في حذر واحتياط مستمرين، وإن حسب لكل طارئة حساب. فقد يسقط بدوره في الحيلة ويصبح الخادع/المخدوع كابن آوى أو الثعلب(11) الذي يملك مائة حيلة، وليس كالقنفذ(12) الذي لا يملك إلا حيلة ونصفا ولكن هي الصائبة، هي المنفذ من المتاهة.

 

 

أخبار الحمقى والمغفلين السحر الحلال السيرة النبوية الصفحة الرئيسة
كفاية المتحفظ في اللغة  ألفية ابن مالك ألقاب خالدة  الإعجاز في القرآن
المزهر في علوم اللغة ألغاز أدبية المعلقات السبع  الاعتكاف  تاريخ وحدث  صور من حياة الصحابة
 الخط وقوانين الكتابة شعراء معاصرون ديوان المتنبي  النقد الأدبي مواقع إسلامية نساء حول الرسول
المضاف والمنسوب أوائل فضل القلم كتب ومؤلفين منتديات إسلامية أرقام علماءنا الأجلاء
ِحكم و أمثال أول من نوادر من كان فتاوى في الزكاة

فتاوى في الصيام

المراجع إدارة الموقع أرشيف الجامعة شروط المشاركة غرائب الاتفاق قصص الأنبياء