أكبر المحتالين وأجودهم هم الذين يعتمدون على الكلام، على الحوار والإقناع، على الرد السريع الملائم، على القدرة على تفسير المواقف المحرجة وتحوير معناها. التلاعب اللفظي وسرعة الجواب يمتاز بها كل الأبطال المحتالين من لصوص وصعاليك وقضاة وقصاص وجحا، حتى اللص الذي لا ينتظر منه الكلام بل السكوت والحذر والمرونة الجسمائية نجده في النوادر متمتعا بمرونة الذهن وتوقده.
ولكن أبرع نماق هو مكدي المقامات. تبدو اللغة هنا هي الحلة الرقطاء، المزركشة، حيث يساهم الشكل في تثبيت الشخصية. الحيلة هي منطلق المكدي عامة (الجوبري) وفي المقامة تكون الحيلة لغوية. مادتها الكلمات والصور البلاغية.
اللغة قناع وحجاب في المقامات. وهي وسيلة للإغراء والتلاعب بالكلمات وبنسيجها. الكلمات حبال وفخاخ، شباك يقتنص بها المكدي لب سامعيه ليبهرهم ويصيد ما في جيوبهم. يصبغ الوقائع، يقدم واقعا مغريا، صورة ملونة يخضعها لرغباته ويجر الناس معه حتى يوصلهم إلى الطريق المؤدية لغايته المنشودة المستترة، المغلفة بالبلاغة. مكدي المقامات يستعمل اللغة كوسيلة للافتتان وجذب السامعين. فهو لا يصف حالته الضعيفة، الفقيرة المعوزة. ولا يحاول التأثير على قلوبهم وعواطفهم. بل هو يسلك طريقا آخر. طريق المتعة اللغوية، والتلاعب اللفظي، وغرائب الكلمات والمعاني، والترابط اللفظي المفاجئ. حيث تصبح اللغة لعبة واللعبة لغة؛ من قلب والتواءات ومعاني بعيدة-قريبة. كل هذا لأجل الانبهار المربح والتكسب بالألفاظ والبلاغة. في حضارة تقدس الكلمة والأجوبة المسكتة، والبيان والمنطق، قد تكون اللغة سلعة، منبعا لا يشف، الجمال اللغوي المنتج الذي يتحول إلى رأسمال، إلى قيمة استبدالية.
اللغة كساء، قناع، لثام سحري يحجب ما يقول، ويخفي ما يعلن, جمال وافتتان لغوي، تمتمات صوتية تغطي صراخا عاليا، وضحكات وسخرية، تحطيم بعض الموازين التقليدية في قالب البيان وضغط الألفاظ. زندقة كلامية يحجبها ستار السجع وغريب القول. عذوبة ومرارة. الجميل في المقامة هو ما لا تقوله، هو الكاريكاتور التي تسمح به الكلمات. الثروة اللغوية تمرر المكر التهديمي.
لغز
قد توضع الحيلة على شكل لغز. لغز يحاول إدراك واقع زئبقي. المتحايل في هذه الحالات لا يطمح إلى تشويه الحقيقة ولكن لرفع اللبس عنها(150). وقد يكون اللغز عبارة عن كلام مبهم. ما يسمى "بالمعاني"(151). اللغز تلاعب لغوي، يقوم على الإبهام والغموض. وهو الذي يسمح بالتفرقة بين الفاهم أو "الفاهمة"(152) والمغفل، بين الواعي والمكبوت. به نتعرف على من سوف يتولى أمور المملكة ويتزوج ابنة الملك. اللغز من طقوس المرور، هو الحاجز بين الحاذق والأبله. في كثير من الحكايات يكون الموت هو مصير من لم يستطع تخطي هذا الحاجز(153). وبحل اللغز يعرف البطل مصيره، وكأن اللغز وحي من القدر، إشارة عليا. يعرف مصيره لأنه يعترف بالتباس اللغة وتعدد المعاني وازدواجية الحقائق. الفطن هو الذي يفهم أن الحل يقطن في الجهة الأخرى وليس في الجهة التي تتبادر إلى الذهن، ليس في الألفة ولكن في الغرابة. وكأن اللغز يشير إلى احتمال وجود واقع آخر. واقع مجهول، غير متناول، غير مسمى، لا تدركه اللغة العادية لأنه وراء الحروف، فاللغز في الأصل كان قدسيا. في الجاهلية كانت القبائل ترحل إلى الكهان(154) لحل الألغاز، فهو سر من أسرار الكون أي من أسرار الإنسان. هو تشكيك في ثبوت الواقع، لهذا نجد التوصل إلى حله مقترنا بالترحال، بفقد الدلائل والمراجع، تجوال عبر العوالم للخروج من الألفة، من المحيط العادي. اللغز تيه وتنقل.
والحيل الحنفية تأتي هي كذلك في صيغة فك لألغاز، يقوم فيها الفقيه بنوع من التعبير للنصوص، كما نقول تعبير الأحلام. فهو يرسل معنى آخر للنص. يترجم النص حسب المواقف بحيث لا يكمن المعنى في النص ولكن في الظاهرة والقضية التي تحييه.
IV - متحايلون عالميون:
المخادع
دراسة الحيلة سمحت لنا باكتشاف شخصية المخادع le trickster. شخصية أسطورية تتقمص عدة أدوار حسب الحكايات، وقد تلبس حلة طفل وامرأة شابة أو عجوز، وقد تكون حيوانا يختلف حسب الشعوب، شخصية أسطورة أنتروبولوجية، بمعنى أننا نجدها في مختلف الثقافات: عند الهنود في أمريكا، في القبائل الإفريقية، عند الإغريق وفي أوروبا القرون الوسطى في الهند واليابان والصين وفي العالم العربي… وهذه الشخصية يمكن أن نطلق عليها إبليس الصغير. تجمع بين كل هذه الأدوار خاصية واحدة وهي الدهاء واستعمال الحيلة. نجد هذا المخادع كشخصية بارزة مهمة في فولكلور وأدب شعوب كثيرة، واحد ومختلف، يظهر كمحتال مخادع، ذكي وحاذق، كما يظهر في زي طفيلي، شره مزهو ومغتر أو في حلة مغفل. شخصية متعددة الجوانب، تجمع بين الذكاء والحمق والتحامق… هو الذي قهر الوحوش والجبابرة وأخرج العالم من الفوضى الأولية ووضع له نواميسه(155).
في الفولكلور العالمي، نجد عدة مجموعات من الحكايات تخص the trickster. عند الهنود في شمال أمريكا يمثله حيوان القيوط (ذئب البراري)، البطل الخالق الساحر. يمتاز بسمات إيجابية وأخرى سلبية. ويظهر كذلك في الحكايات الهزلية كماكر وداهية وكنصاب وغدار، وكضحية. أتى بالنار ونور النهار للإنسان وأعطى للحيوانات شكلها المعروف وأقام العالم…. في قبائل أخرى يتولى الغراب هذا المقام ويلعب هذا الدور، فهو كذلك يجمع بين الذكاء والغبارة، وأقام هو كذلك العالم عن طريق حيل مختلفة. غش وخداع وتحريف وكذب.
في الحكايات الإفريقية يظهر أن الطابع الغالب على البطل هو دهاؤه. وقد يستغله لتلبية رغباته كطماع نهم طفيلي… ولكن رغم سلبياته يكسب ثقة وعطف السامعين لأنه بحيله يتغلب على من هم أقوى منه(156).
وفي الحكايات الأوصيانية يسمى هذا البطل المحتال، ذو الصنائع والمفاخر الخلاقة، والذي أخرج الأرض من الماء = "ماوى"(157).
وفي اليابان: المحتال هو الثعلب "كيتسون". مشهور بقدراته على الخداع والمكر وفي سلسلة أخرى من الحكايات هو "سوزانو"(157).
ما يمكن أن نستنتجه من مختلف الأساطير والحكايات العالمية حول المحتال هو كونه شخصية معقدة غاية التعقيد، متعددة، تجمع بين المتناقضات، شخصية يطبعها الالتباس والازدواجية. تعتبر في مجتمع واحد وفي نفس الوقت على أنها هي الإله صانع الكون، والأبله الساذج، الشر المدمر والمازح الصبياني. فهي في نفس الوقت ذكية وغبية، حذرة ومتهورة، عاقلة وحمقاء، حكيمة ومستهترة، جريئة وجبانة، جدية ولاهية، تجمع بين السخاء والمروءة والطمع والجشع والأنانية، هو الإله هو البطل، هو المهرج، البهلوان، هو الإنسان بكلمة واحدة. هو قبل كل شيء شخصية بدون ضمير. تتحاذى الأخلاق وأحكام القيمة. لا تضع الصفات في أي جانب من الميزان. ليس هناك محاسن كما ليس هناك مساوئ. هذا النوع من التقييم لا يدخل في اعتباراتها. مستهزئة ساخرة، لا تعترف بالتقديس. شخصية المغامرات العديدة، والحركة الدائمة، والفكر المتوقد. قد يظهر على شكل "كبش الضحية"، عليه نسقط مخاوفنا وإحباطاتنا، وفي نفس الوقت كالمثل العليا التي أسست الخليقة (وهذه الحكايات قد يكون هدفها الاستمتاع وقد تحكي في مناسبات مقدسة تخضع لطقوس معينة).
نفهم كيف أن جحا والمكدي والطفيلي والصعلوك وأشعب وهبنقة وبهلول والقاضي المحتال واللص الذكي، التي هي شخصيات عربية تأخذ جذورها من منابع الأساطير البشرية القديمة، والتي توجد في مختلف أنحاء المعمورة. تتحلى بأزياء الحضارة التي تقيم فيها وتتبناها… شخصيات أنتروبولوجية تتجول بين الثقافات وبين العصور وتحافظ مع ذلك على مميزاتها الأساسية. تأخذ الحيلة كرمز للحياة وكطريقة عيش، وتتلون وتتقمص في شخصيات متعددة دون أن تبلى أو تضمحل ميزاتها.
عند الشعوب البدائية تمثل هذه الشخصية ظهور الثقافة فهي التي أتت بالعلم والتقنية. يظهر من كثير من الأساطير أن التميز بين العالم الإلهي والعالم الإنساني سببه هذا البطل الحضاري باختلاس الخصائص الإلهية وتقديمها للإنسانية. وكأن العالم أصله سرقة، وكأن وجود الإنسان تحايل مع القوى العظمى لفرض هذا الوجود ولمعرفة أسرار الكون. وتستعمل الأساطير "المكر" بدل الذكاء، وكأن الإنسان اخترق قوانين الكون وخالف قوة عليه، وكأن هناك اعترافا ضمنيا باقتراف ذنب ما، بخرقات وتحديات للمحرمات والطابوهات. اختراعات الإنسان كلها تحايل مع قدرات خارقة تظهر وكأنها غيورة على مميزاتها. تحتفظ بأسرارها ولا تريد أن تقدمها للإنسان. وعليه أن يتحايل للوصول إليها، المتحايل يجد نفسه أمام لغز يجب حله، لغز كيانه ووجوده، الذي هو تحايل مع كائنات خيالية، استفاد منها الإنسان بفضل دهائه، وفرض عليها وجوده فأغضبها وعاقبته. فكانت الأمراض والحشرات الضارة والموت التي لم تكن موجودة قبل الحيلة الأصلية.
يتحايل الإنسان مع الآلهة، مع الطبيعة، مع الحيوانات الشرسة للتخلص منها، للتغذية… القنص حيلة، والصيد(158) والحرث خدعة، والكتابة(159) سرقة، والنسيج(160) حيلة… حيل وسرقات… المتحايل إله آخر ممثل للإنسانية ومقترف الذنب مكانها، الإله المذنب، المتشيطن، الشاطر، المتلبس. يدخل في صراع مع الإله الأكبر. سلاحه هو الحيلة.سلاح الإنسان في الحياة هو ذكاؤه وعقله.
الحيلة متجذرة في أعماق البشرية، في أساطيرها الأولى لكي يصبح الإنسان إنسانا أي متحضرا، ويخرج من الحيوانية والوحشية يجب أن تكون هناك حيلة أصلية. الحيلة هي منبع الثقافة،وهكذا تعود بنا الحيلة إلى أعماق الدهر.