غزوة عيينة بن حصن بني تميم
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم ، فأغار عليهم فأصاب منهم أناساً ، وسبى منهم أناساً .
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إن علي رقبة من ولد إسماعيل . قال : هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه .
سبي وقتلى بني العنبر
قال ابن إسحاق : فلما قدم بسبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركب فيهم وفد من بني تميم ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم ربيعة بن رفيع ، وسبرة بن عمرو ، والقعقاع بن معبد ، ووردان بن محرز ، وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، وفراس بن حابس .
فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأعتق بعضاً ، وأفدى بعضاً ، وكان ممن قتل يومئذ من بني العنبر: عبدالله ، وأخوان له بنو وهب ، وشداد بن فراس ، وحنظلة بن دارم .
وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ ، أسماء بنت مالك ، وكاس بنت أري ، ونجوة بنت نهد ، وجميعة بنت قيس ، وعمرة بنت مطر .
شعر سلمى في ذلك
فقالت في ذلك اليوم سلمى بنت عتاب :
لعمري لقد لاقت عدي بن جندب * من الشر مهواة شديدا كئودها
تكفنها الأعداء من كل جانب * وغيب عنها عزها وجدودها
شعر الفرزدق في ذلك :
قال ابن هشام :وقال الفرزدق في ذلك :
وعند رسول الله قام ابن حابس * بخطة سوار إلى المجد حازم
له أطلق الأسرى التي في حباله * مغللة أعناقها في الشكائم
كفى أمهات الخالفين عليهم * غلاء المفادي أو سهام المقاسم
وهذه الأبيات في القصيدة له ، وعدي بن جندب من بني العنبر ، والعنبر ابن عمرو بن تميم .
غزوة غالب بن عبدالله أرض بني مرة
قال ابن إسحاق : وغزوة غالب بن عبدالله الكلبي - كلب ليث - أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك ، حليفا لهم من الحرقة ، من جهينة ، قتله أسامة بن زيد ، ورجل من الأنصار .
قال ابن هشام :الحرقة فيما حدثني أبو عبيدة :
أسامة بن زيد يقتل مرداس
قال ابن إسحاق : وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال :
أدركته أنا ورجل من الأنصار ، فلما شهرنا عليه السلاح ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخبرناه خبره ، فقال : يا أسامة من لك بلا إله إلا الله ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، إنه إنما قالها تعوذا بها من القتل ، قال : فمن لك بها يا أسامة ؟ قال : فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن ، وأني كنت أسلمت يومئذ ، وإني لم أقتله .
قال : قلت : أنظرني يا رسول الله ، إني أعاهد أن لا أقتل رجلاً يقول : لا إله إلا الله أبداً ، قال : تقول بعدي يا أسامة ؟ قال قلت بعدك .
غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة ، وكان من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشام ، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلي ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل ، وبذلك سميت تلك الغزوة ، غزوة ذات السلاسل .
فلما كان عليه خاف ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه :
لا تختلفا ، فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه ، قال له عمرو : إنما جئت مدداً لي قال أبو عبيدة : لا ، ولكنى على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه .
وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهلاً ، هيناً عليه أمر الدنيا ، فقال له عمرو : بل أنت مدد لي ، فقال أبو عبيدة : يا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي : لا تختلفا ، وإنك إن عصيتني أطعتك ، قال : فإني الأمير عليك ، وأنت مدد لي ، قال : فدونك . فصلى عمرو بالناس .
وصية أبي بكر رافع بن أبي رافع
قال : وكان من الحديث في هذه الغزاة ، أن رافع بن أبي رافع الطائي ، وهو رافع بن عميرة ، كان يحدث - فيما بلغني - عن نفسه ، قال : كنت امرأ نصرانياً وسميت سرجس ، فكنت أدل الناس وأهداهم بهذا الرمل ، كنت أدفن الماء في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية ، ثم أغير على إبل الناس ن فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها ، فلم يستطع أحد أن يطلبني فيه ، حتى أمر بذلك الماء الذي خبأت في بيض النعام فأستخرجه ، فأشرب منه ، فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ؛ قال : فقلت : والله لأختارن لنفسي صاحبا ، قال :
فصحبت أبا بكر ، قال : فكنت معه في رحله ، قال : وكانت عليه عباءة له فدكية فكان إذا نزلنا بسطها ، وإذا ركبنا لبسها ، ثم شكها عليه بخلال له ، قال : وذلك الذي له يقول أهل نجد حين ارتدوا كفاراً : نحن نبايع ذا العباءة ! .
قال : فلما دنونا من المدينة قافلين ، قال : قلت : يا أبا بكر ، إنما صحبتك لينفعني الله بك ، فانصحنى ، وعلمنى ، قال : لو لم تسألني ذلك لفعلت .
قال : آمرك أن توحد الله ، ولا تشرك به شيئاً ، وأن تقيم الصلاة ، وأن تؤتي الزكاة وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، وتغتسل من الجنابة ، ولا تتأمر على رجل من المسلمين أبداً .
قال : قلت : يا أبا بكر ، أما أنا والله فأني أرجو أن لا أشرك بالله أحد أبداً ، وأما الصلاة فلن أتركها أبداً إن شاء الله وأما الزكاة فإن يك لي مال أؤدها إن شاء الله وأما رمضان فلن أتركه أبداً إن شاء الله ، وأما الحج فإن أستطع أحج إن شاء الله تعالى ، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله .
وأما الإمارة ، فإني رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بها ، فلم تنهاني عنها ؟ قال : إنك إنما استجهدتني لأجهد لك ، وسأخبرك عن ذلك :
إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعاً وكرهاً ، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه ، وفي ذمته فإياك لا تخفر الله في جيرانه ، فيتبعك الله في خفرته ، فإن أحدكم يخفر جاره فيظل ناتئا عضله ، غضباً لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير ، فالله أشد غضباً لجاره قال : ففارقته على ذلك .
قال : فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر أبو بكر على الناس ، قال : قدمت عليه ، فقلت له : يا أبا بكر ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين ؟ قال : بلى ، وأنا الآن أنهاك عن ذلك ؛ قال : فقلت له : فما حملك على أن تلي أمر الناس ؟ قال : لا أجد من ذلك بداً ، خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة .
قال ابن إسحاق :
أخبرني يزيد بن أبي حبيب ، أنه حدث عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص ، إلى ذات السلاسل ، قال : فصحبت أبا بكر وعمر ، فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها ، وهم لا يقدرون على أن يعضوها ، وقال : وكنت امرأ لبقاً جازراً ، قال : فقلت : أتعطوني منها عشيراً على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فأخذت الشفرتين فجزأتها مكاني ، وأخذت منها جزءاً ، فحملته إلى أصحابي ، فاطبخناه فأكلناه .
فقال لي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : أني لك هذا اللحم يا عوف ؟ قال : فأخبرتهما خبره ، فقالا : والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك ؛ قال : فلما قفل الناس من ذلك السفر ، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فجئته وهو يصلي في بيته ، قال : فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، قال : أعوف بن مالك ؟ قال : قلت : نعم بأبي أنت وأمي ، قال : أصاحب الجزور ؟ ولم يزدني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك شيئاً .
غزوة ابن أبي حدرد بطن إضم وقتل محلم بن جثامة عامر بن الأضبط الأشجعي
قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط عن القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد عن أبيه عبدالله ابن أبي حدرد ، قال :
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر من المسلمين ، فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم .
مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي ، على قعود له ، ومعه متيع له ، ووطب من لبن قال : فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة ، فقتله لشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ، وأخذ متيعه ، قال : فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبرناه الخبر ، نزل فينا : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ) إلى أخر الآية .
قال ابن هشام :قرأ أبو عمرو بن العلاء ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) لهذا الحديث
من اختصم في دم ابن الأضبط
قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث ، عن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده ، وكانا شهدا حنيناً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة ، فجلس تحتها ، وهو بحنين ، فقام إليه الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، يختصمان ، في عامر بن الأضبط الأشجعي : عيينة يطلب بدم عامر ، وهو يومئذ رئيس غطفان ، والأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة ، لمكانه من خندف ، فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى لله عليه وسلم ، ونحن نسمع فسمعنا ، عيينة بن حصن ، وهو يقول : والله يا رسول الله ، لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا ، وخمسين إذا رجعنا ، وهو يأبى عليه ، إذ قام رجل من بني ليث ، يقال له : مكيثر قصير مجموع قال ابن هشام :مكيل - فقال :
والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها ، فنفرت أخرها ، اسنن اليوم ، وغير غداً ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا ، وخمسين إذا رجعنا ، قال : فقبلوا الدية .
قال : ثم قالوا : أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فقام رجل آدم ضرب طويل ، عليه حلة له ، قد كان تهيأ للقتل فيها ، حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا محلم بن جثامة قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال : اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ، ثلاثا . قال : فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه ، قال : فأما نحن فنقول فيما بيننا : إنا لنرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر له ، وأما ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا .
من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ،عن الحسن البصري قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس بين يديه : أمنته بالله ثم قتلته ! ثم قال له المقالة التي قال ؛ قال : فوالله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعاً حتى مات فلفظته ، والذي نفس الحسن بيده ، الأرض ، ثم عادوا له ، فلفظته الأرض ، ثم عادوا فلفظته ، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين ، فسطحوه بينهما ، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه .
قال : فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه ، فقال : والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه .
دية ابن الأضبط
قال ابن إسحاق : وأخبرنا سالم أبو النضر ، أنه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا حين قال الأقرع بن حابس وخلا بهم ، يا معشر ، قيس منعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلاً يستصلح به الناس ، أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيلعنكم الله بلعنته ، أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه ؟ والله الذي نفس الأقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليصنعن فيه ما أراد ، أو لآتين بخمسين رجلاً من بني تميم يشهدون بالله كلهم : لقتل صاحبكم كافراً ، ما صلى قط . فلأطلن دمه . فلما سمعوا ذلك قبلوا الدية .
قال ابن هشام : محلم في هذا الحديث كله عن غير ابن إسحاق ، وهو محلم بن جثامة بن قيس الليثي .
وقال ابن إسحاق : ملجم فيما حدثناه زيادة عنه .
غزوة ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمي
قال ابن إسحاق : وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمي الغابة .
وكان من حديثها فيما بلغني عمن لا أتهم ،عن ابن أبي حدرد ، قال :
تزوجت امرأة من قومي ، وأصدقتها مائتي درهم قال : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي ؛ فقال : وكم أصدقت ؟ فقلت : مائتي درهم يا رسول الله ، قال : سبحان الله لوكنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم ، الله ما عندي ما أعينك به .
قال : فلبثت أياما وأقبل رجل من بني جشم ، يقال له : رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة ، في بطن عظيم من بني جشم ، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة ، يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا اسم في جشم وشرف ، قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معي من المسلمين فقال : أخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم .
قال : وقدم لنا شارفاً عجفاء ، فحمل عليها أحدنا والله ما قدمت به ضعفاً حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت وما كادت ، ثم قال : تبلغوا عليها واعتقبوها
ما استعان به ابن أبي حدرد من هذه الغزوة في زواجه
قال :فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر عُشَيْشِيّة مع غروب الشمس . قال : كمنت في ناحية ، وأمرت صاحبي ، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي ، قال : فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم ، أو أن نصيب منهم شيئا . قال : وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء ، وقد كان لهم راع قد سرح في هذا البلد ، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه .
قال : فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس ، فأخذ سيفه فجعله في عنقه ، ثم قال : والله لأتبعن أثر راعينا هذا ، ولقد أصابه شر ، فقال له نفر ممن معه : والله لا تذهب نحن نكفيك ، قال : والله لا يذهب إلا أنا ، قالوا : فنحن معك ، قال : والله لا يتبعني أحد منكم .
قال : وخرج حتى يمر بي . قال : فلما أمكنني نفحته بسهمي ، فوضعته في فؤاده قال : فوالله ما تكلم ووثبت عليه فاحتززت رأسه . قال : وشددت في ناحية العسكر وكبرت ، وشد صاحباي وكبرا . قال : فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم ، وما خف معهم من أموالهم .
قال : واستقنا إبلا عظيمة ، وغنما كثيرة ، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وجئت برأسه أحمله معي ، قال : فأعانني رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيراً في صداقي ، فجمعت إلى أهلي .
غزوة عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت رجلاً من أهل البصرة يسأل عبدالله بن عمر بن الخطاب ، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم ، قال : فقال عبدالله : سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم : كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبدالرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو سعيد الخدري ، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إذ أقبل فتى من الأنصار ، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس فقال : يا رسول الله ، صلى الله عليك ، أي المؤمنين أفضل ؟ فقال : أحسنهم خلقاً قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم ذكراً للموت ، وأحسنهم استعداداً له ، قبل أن ينزل به أولئك الأكياس ، ثم سكت الفتى ، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا معشر المهاجرين ، خمس خصال إذا نزلن بكم ، وأعوذ بالله أن تدركوهن ، إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع ، التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين ، وشدة المؤنة ، وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، فلولا البهائم ما مطروا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم ، فأخذ بعض ما كان في أيديهم ، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم .
إلباسه صلى الله عليه وسلم العمامة لابن عوف
ثم أمر عبدالرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثة عليها ، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء ، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، ثم نقضها ، ثم عممه بها ، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ، ثم قال : هكذا يا ابن عوف فاعتم ، فإنه أحسن وأعرف ، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه فحمد الله تعالى وصلى على نفسه ، ثم قال :
خذه يا ابن عوف ، اغزوا جميعا في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله ، لاتغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، فهذا عهد الله ، وسيرة نبيه فيكم ، فأخذ عبدالرحمن بن عوف اللواء .
قال ابن هشام :فخرج إلى دومة الجندل .
غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
قال ابن إسحاق : وحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن جده عبادة بن الصامت ، قال :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر ، عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، وزودهم جرابا من تمر ، فجعل يقوتهم إياه ، حتى صار إلى أن يعده عليهم عداً ، قال : ثم نفد التمر ، حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة ، قال
فقسمها يوماً بيننا ، قال : فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم .
قال : فلما جهدنا الجوع ، أخرج الله لنا دابة من البحر ، فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة ، حتى سمنا وابتللنا ، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقه ، ثم أمر بأجسم بعير معنا ، فحمل عليه أجسم رجل منا ، قال
فجلس عليه ، قال : فخرج من تحتها وما مست رأسه . قال فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره خبرها ، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه فقال رزق رزقكموه الله .