ما
حكم من جاء عليها رمضان قبل أن تقضي الأيام التي
عليها ؟
نص الإجابة :
جمهور العلماء يوجب فدية على من أخّر
قضاء ما فاته من رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده، وتتأكد هذه الفدية،
وهي إطعام مسكين عن كل يوم بما يكفيه غداء وعشاء إذا كان تأخير القضاء
لغير عذر، واستدلوا على هذا الحكم بحديث موقوف على أبي هريرة، أي أنه
من كلامه هو، ونسبة هذا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي رفعه
إليه ضعيف، كما أن هذا الحكم مروي عن ستة من الصحابة، ولم يعلم يحيى بن
أكثم مخالفًا لهم، منهم ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم
.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا فدية مع القضاء، وذلك لأن الله تعالى قال
في شأن المرضى والمسافرين: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يأمر
بفدية، والحديث المروي في وجوبها ضعيف لا يؤخذ به.
قال الشوكاني "نيل الأوطار ج4 ص318" منتصرًا لهذا الرأي: ليس هناك حديث
ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها، وأقوال الصحابة لا حجة فيها
وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية
بعدم وجوب الاشتغال بالتكاليف حتى يقوم الدليل النقلي عليها، ولا دليل
هنا، فالظاهر عدم الوجوب.
وقال الشافعي: إن كان تأخير القضاء لعذر فلا فدية، وإلا وجبت، وهذا
الرأي وسط بين الرأيين السابقين، لكن الحديث الضعيف أو الموقوف الوارد
في مشروعية الكفارة لم يفرق بين العذر وعدمه. ولعل القول بهذا الرأي
يريح النفس لمراعاته للخلاف بصورة من الصور، ثم إن قضاء رمضان واجب على
التراخي، وليس على الفور وإن كان الأفضل التعجيل به عند الاستطاعة،
فدين الله أحق بالقضاء العاجل، وثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد أن عائشة
-رضي الله عنها- كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان، ولم تكن تقضيه
فورًا عند قدرتها على القضاء.
ويلزم في القضاء التتابع والموالاة، فقد روى الدارقطني عن ابن عمر -رضي
الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه سلم- قال في قضاء رمضان: (إن شاء
فرق وإن شاء تابع).
أسم المفتي :
فضيلة الشيخ
عطيه صقر
ما
حكم اعتكاف ليلة النصف من شعبان ؟
نص الإجابة :
ليلة
النصف من شعبان، لم يأت فيها حديث وصل إلى درجة الصحة، هناك أحاديث
حسنها بعض العلماء، وبعضهم ردها وقالوا بأنه لم يصح في ليلة النصف من
شعبان أي حديث ... فإن قلنا بالحسن، فكل ما ورد أنه يدعو في هذه
الليلة، ويستغفر الله عز وجل، أما صيغة دعاء معين فهذا لم يرد، والدعاء
الذي يقرأه بعض الناس في بعض البلاد، ويوزعونه مطبوعًا، دعاء لا أصل
له، وهو خطأ، ولا يوافق المنقول ولا المعقول.
في هذا الدعاء نجد هذا القول: " اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب
شقيًا أو محرومًا أو مطرودًا أو مقترًا علي في الرزق، فامح اللهم بفضلك
شقاوتي، وحرماني وطردي، وإقتار رزقي وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيدًا
مرزوقًا موفقًا للخيرات كلها فإنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل وعلى
لسان نبيك المرسل: (يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب).
ففي هذا الكلام نرى تناقضًا واضحًا :
ففي أوله يقول: إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيًا أو محرومًا ..
فامح هذا وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيدًا مرزوقًا موفقًا للخيرات ...
لأنك قلت (يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب).
فمعنى الآية أن أم الكتاب لا محو فيها ولا إثبات، فكيف يطالب بالمحو
والإثبات في أم الكتاب.
ثم هذا الكلام ينافي ما جاء في أدب الدعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام
يقول: " إذا سألتم الله فأجزموا في المسألة " لا يقل أحدكم: يا رب اغفر
لي إن شئت، أو ارحمني إن شئت، أو ارزقني إن شئت، فإن الله لا مكره له،
بل ينبغي أن يقول: اغفر لي، ارحمني، ارزقني ... بالجزم واليقين .. لأن
هذا هو المطلوب ممن يدعو ربه عز وجل.
أما تعليق الدعاء على المشيئة والشرطية بقول الداعي " إن شئت " كما
سلف، فليس هذا أسلوب الدعاء، ولا أدبه، ولا أسلوب المفتقر الذليل إلى
ربه، بل هو أسلوب أشبه بأسلوب التأليف الركيك الذي لا يقبل في مثل هذا
المقام من عباد الله المؤمنين.
وهذا يدلنا على أن الأدعية التي يضعها البشر ويخترعونها كثيرًا ما تكون
قاصرة عن أداء المعنى، بل قد تكون محرفة ومغلوطة ومتناقضة، إنه ليس
أفضل من الأدعية المأثورة، ففيها الروعة والبلاغة وحسن الأداء،
والمعاني الجامعة في ألفاظ قليلة، فليس هناك أفضل مما ورد عن النبي صلى
الله عليه وسلم من أدعية مأثورة، لأنه يترتب عليها أجران: أجر الاتباع،
وأجر الذكر.
فعلينا دائمًا أن نحفظ هذه الأدعية النبوية، وأن ندعو بها.
أما ليلة النصف من شعبان، فمعظم ما يفعل فيها من أشياء ليس واردًا، ولا
صحيحًا ولا من السنة في شيء .
أذكر أني كنت أقوم في صغري مع الناس تقليدًا لهم، فنصلي ركعتين بنية
طول العمر، وركعتين بنية الغني عن الناس، وقراءة يس ثم صلاة ركعتين ..
وغير ذلك.
وكل هذه تعبدات ما أمر الشرع بها . والأصل في العبادات، الحظر .. ليس
للإنسان أن يخترع في عباداته ما يشاء، لأن الذي من حقه أن يعبد الناس
وأن يرسم لهم العبادة هو الله عز وجل .(أم شرعوا لهم من الدين ما لم
يأذن به الله) (الشورى: 11) فعلينا أن نقف عند ما ورد، ولا نفعل أكثر
من الدعاء المأثور، إن كان ذلك حسنًا ... والله أعلم
أسم المفتي :
د
. يوسف القرضاوي