ما
حكم النظر إلى النساء في نهار رمضان
؟
نص الإجابة :
الصيام عبادة تعمل على تزكية النفس،
وإحياء الضمير، وتقوية الإيمان وإعداد الصائم ليكون من المتقين، كما
قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم
تتقون).
ولهذا يجب على الصائم أن يُنَزِّه صيامه عما يجرحه، وربما يهدمه، وأن
يصون سمعه وبصره وجوارحه عما حرم الله تعالى، وأن يكون عفَّ اللسان،
فلا يلغو ولا يرفث، ولا يصخب ولا يجهل، وألا يقابل السيئة بالسيئة، بل
يدفعها بالتي هي أحسن، وأن يتخذ الصيام درعًا واقية له من الإثم
والمعصية، ثم من عذاب الله في الآخرة ولهذا قال السلف: إن الصيام
المقبول ما صامت فيه الجوارح من المعاصي، مع البطن والفرج عن الشهوة.
وهذا ما نبهت عليه الأحاديث الشريفة، وأكده تلاميذ المدرسة النبوية.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم
أحدكم فلا يرفث ولا يصخب - وفي رواية: (ولا يجهل) - فإن امرؤ سابه أو
قاتله فليقل: إني صائم، مرتين " (متفق عليه عن أبي هريرة).
وقال عليه الصلاة والسلام: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله
حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (رواه البخاري في كتاب الصوم).
وقال: " رب صائم ليس - له من صيامه إلا الجوع " (رواه النسائي وابن
ماجه عن أبي هريرة، ورواه عنه أحمد والحاكم والبيهقي بلفظ " رب صائم
حظه من صيامه الجوع والعطش ").
وكذلك كان الصحابة وسلف الأمة يحرصون على أن يكون صيامهم طُهرة للأنفس
والجوارح، وتَنزُّهًا عن المعاصي والآثام..
قال عمر بن الخطاب: ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب
والباطل واللغو.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن
الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا
تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء..
وروى طليق بن قيس عن أبي ذر قال: إذا صمت فتحفظ ما استطعت. وكان طليق
إذا كان يوم صيامه، دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة..
وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا: نُطهر
صيامنا.
وعن حفصة بنت سيرين من التابعين قالت: الصيام جنة، ما لم يخرقها
صاحبها، وخرقها الغيبة!.
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: الكذب يفطِّر الصائم!.
وعن ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب (ذُكر هذه
الآثار كلها ابن حزم في المُحلى -6 / 475، 476).
ومن أجل ذلك ذهب بعض السلف إلى أن المعاصي تفطِّر الصائم فمن ارتكب
بلسانه حرامًا كالغيبة والنميمة والكذب، أو استمع بأذنه إلى حرام
كالفحش والزور، أو نظر بعينه إلى حرام كالعورات ومحاسن المرأة الأجنبية
بشهوة، أو ارتكب بيده حرامًا كإيذاء إنسان أو حيوان بغير حق، أو أخذ
شيئًا لا يحل له، أو ارتكب برجله حرامًا، بأن مشى إلى معصية، أو غير
ذلك من أنواع المحرمات، كان مفطرًا.
فاللسان يُفطِّر، والأذن تُفطِّر، والعين تُفطِّر، واليد تُفطِّر،
والرجل تُفطِّر، كما أن البطن تُفطِّر، والفرج يُفطِّر.
وإلى هذا ذهب بعض السلف: أن المعاصي كلها تُفطِّر، ومن ارتكب معصية في
صومه فعليه القضاء، وهو ظاهر ما روي عن بعض الصحابة والتابعين.
وهو مذهب الإمام الأوزاعي.
وهو ما أيده ابن حزم من الظاهرية.
وأما جمهور العلماء: فرأوا أن المعاصي لا تُبطل الصوم، وإن كانت تخدشه
وتصيب منه، بحسب صغرها أو كبرها.
وذلك أن المعاصي لا يسلم منها أحد، إلا من عصم ربك، وخصوصًا معاصي
اللسان ؛ ولهذا قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطّر ما كان لنا
صوم!.
هذا والإمام أحمد من هو وهو في ورعه وزهده وتقواه، فماذا يقول غيره؟!.
ويؤكد هؤلاء العلماء: أن المعاصي لا تبطل الصوم، كالأكل والشرب، ولكنها
قد تذهب بأجره، وتضيع ثوابه.
والحق أن هذه خسارة ليست هينة لمن يعقلون، ولا يستهين بها إلا أحمق.
فإنه يجوع ويعطش ويحرم نفسه من شهواتها، ثم يخرج في النهاية ورصيده
(صفر) من الحسنات!.
يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "من لم يدع قول الزور
والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
(مقتضى هذا الحديث: أن من فعل ما ذُكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن
ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه).
وقال العلامة البيضاوي:.
(ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع، والعطش، بل ما يتبعه من كسر
الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا
ينظر اللّه إليه، نظر القبول، فيقول: " ليس للّه حاجة " مجاز عن عدم
قبوله فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم).
إن الصيام في رمضان خاصة فرصة للتطهر من آثام أحد عشر شهرًا مضت، فمن
صام صيام المؤمنين المحتسبين، كان جديرًا أن يخرج من الشهر مغفورًا له،
مطهرًا من الذنوب، وخصوصًا الصغائر التي يقترفها الإنسان في مصبحه
وممساه، ومراحه ومغداه، وقد يستخف بها مرتكبها، ولا يدري أنها إذا
تكاثرت عليه أردته وأهلكته.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة،
ورمضان إلى رمضان، مُكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" (رواه مسلم
عن أبي هريرة).
وقد مر بنا الحديث المتفق عليه:" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر
له ما تقدم من ذنبه".
فمن لوث صيامه بالمعاصي في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه، فقد أضاع على
نفسه فرصة التطهر، ولم يستحق المغفرة الموعودة، بل ربما أصابه ما دعا
به جبريل عليه السلام، وأمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم:" من أدرك
رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله " (رواه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن
مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده، وقد ثبت نحوه من حديث أبي هريرة وكعب
بن عجرة).
هذا عن المعاصى بصفة عامة أماعن النظر فيقول فضيلته
ومما حرمه الإسلام -في مجال الغريزة الجنسية- إطالة النظر من الرجل إلى
المرأة ومن المرأة إلى الرجل. فإن العين مفتاح القلب، والنظر رسول
الفتنة، وبريد الزنى. وقديما قال الشاعر:
ومعظم النار من مستصغر الشرر
كل الحوادث مبداها من النظر
حديثا قال آخر:
فكلام فموعد فلقاء
نظرة فابتسامة فسلام
لهذا وجه الله أمره إلى المؤمنين والمؤمنات جميعا بالغض من الأبصار،
مقترنا بأمره بحفظ الفروج: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من
أبصارهن، ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن
بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء
بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني
أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من
الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن
ليعلم ما يخفين من زينتهن..) سورة النور:30-31.
وفي هاتين الآيتين عدة توجيهات إلهية منها توجيهان يشترك فيهما الرجال
والنساء جميعا وهما الغض من البصر، وحفظ الفرج، والباقي موجه إلى
النساء خاصة.
ويلاحظ أن الآيتين أمرتا بالغض من البصر لا بغض البصر، ولم تقل:
"ويحفظوا من فروجهم" كما قالت (يغضوا من أبصارهم) فإن الفرج مأمور
بحفظه جملة دون تسامح في شيء منه. أما البصر فقد سمح الله للناس بشيء
منه رفعا للحرج، ورعاية للمصلحة كما سنرى.
فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين عن النظر، ولا إطراق الرأس إلى
الأرض، فليس هذا بمراد ولا مستطاع. كما أن الغض من الصوت في قوله
تعالى: (واغضض من صوتك) سورة لقمان:19، ليس معناه إغلاق الشفتين عن
الكلام، وإنما معنى الغض من البصر خفضه، وعدم إ رساله طليق العنان
يلتهم الغاديات والرائحات أو الغادين والرائحين. فإذا نظر إلى الجنس
الآخر لم يغلغل النظر إلى محاسنه، ولم يطل الالتفات إليه والتحديق به.
ولهذا قال الرسول عليه السلام لعلي بن أبي طالب: "يا علي! لا تتبع
النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة".
وقد جعل النبي عليه السلام النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى
الآخر زنى للعين، فقال: "العينان تزنيان وزناهما النظر". وإنما سماه
(زنى) لأنه ضرب من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية بغير الطريق
المشروع.
ويطابق هذا ما جاء في الإنجيل عن المسيح عليه السلام: "لقد كان من
قبلكم يقولون لا تزن وأنا أقول لكم: من نظر بعينه فقد زنى".
إن هذا النظر المتلذذ الجائع ليس خطرا على خلق العفاف فحسب، بل هو خطر
على استقرار الفكر، وطمأنينة القلب الذي يصاب بالشرود والاضطراب.
قال الشاعر:
لقلبك يوما أتعبتك المناظر وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا
عليه ولا عن بعضه أنت صابر رأيت الذي لا كله أنت قادر
تحريم النظر إلى العورات
ومما يجب غض البصر عنه العورات، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
النظر إلى العورات، ولو كان من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة
بشهوة أم بغير شهوة، قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر
المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا
المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".
وعورة الرجل التي لا يجوز النظر إليها من رجل أو امرأة تتحدد فيما بين
السرة والركبة، كما ورد في الحديث. ويرى بعض الأئمة كابن حزم وبعض
المالكية أن الفخذ ليس بعورة.
وعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبي عنها هي جميع بدنها ما عدا وجهها
وكفيها، أما عورتها بالنسبة لمن كان ذا محرم منها كأبيها وأخيها فسيأتي
الحديث عنها عند الكلام على إبداء الزينة.
وما لا يجوز النظر إليه من العورات لا يجوز أن يمس باليد أو بجزء من
البدن. وكل ما ذكرنا تحريمه من العورات -نظرا أو لمسا- مشروط بعدم
الضرورة أو الحاجة، فإذا وجدت كما في حالة الإسعاف أو العلاج فقد زالت
الحرمة. وكل ما ذكرنا من جواز النظر مشروط بأمن الفتنة والشهوة، فإن
وجدت فقد زالت الإباحة سدا للذريعة.
حدود إباحة النظر إلى الرجل أو المرأة
ومما ذكرنا يتبين أن نظر المرأة إلى ما ليس بعورة من الرجل -أي ما فوق
السرة وتحت الركبة- مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة وقد أذن
الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون
بحرابهم في المسجد النبوي، وظلت تنظر إليهم حتى سئمت هي فانصرفت.
ومثل هذا نظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة -أي إلى وجهها وكفيها-
فهو مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة.
فعن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر -أختها- دخلت على النبي صلى الله عليه
وسلم في لباس رقيق يشف عن جسمها، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنها
وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا
هذا وهذا" -وأشار إلى وجهه وكفيه-.
وفي الحديث ضعف ولكن تقويه أحاديث صحاح في إباحة رؤية الوجه والكفين
عند أمن الفتنة.
وخلاصة القول: أن النظرة البريئة إلى غير عورة من الرجل أو المرأة حلال
ما لم تتخذ صفة التكرار والتحديق الذي يصحبه -غالبا- التلذذ وخوف
الفتنة.
ومن سماحة الإسلام أنه عفا عن النظرة الخاطفة، التي تقع من الإنسان
فجأة حين يرى ما لا تباح له رؤيته، فعن جرير بن عبد الله قال: سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال: "اصرف بصرك" يعني:
لا تعاود النظر مرة ثانية.
أسم المفتي :
د . يوسف القرضاوي
متى
يكون الإمساك عن الطعام في صيام رمضان ؟
نص الإجابة :
مما
سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم للصائم أن يتسحر، وأن يؤخر السحور.
والسحور:
ما يؤكل في السحر، أي بعد منتصف الليل إلى الفجر، وأراد بذلك أن يكون
قوة للصائم على احتمال الصيام، وجوعه وظمئه، وخصوصًا عندما يطول
النهار.
ولذا قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان
-665).
وفيه تمييز كذلك لصيام المسلمين عن غيرهم، وفي الصحيح: "فصل ما بين
صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر" (مسلم -1096، وأبو داود (2343)،
والنسائي (2168)، والترمذي (907) عن عمرو بن العاص).
والأصل في السحور أن يكون طعامًا يؤكل، ولو شيئًا من التمر، وإلا فأدنى
ما يكفي شربة من ماء.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "السحور كله بركة،
فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته
يصلون على المتسحرين" (قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد،
وإسناده قوي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3683)، عند ابن
حبان (883، 884) عن حديث ابن عمر: "تسحروا ولو بجرعة ماء").
ومن بركة السحور:.
أنه - بجوار ما يهيئه للمسلم من وجبة مادية - يهييء له وجبة روحية، بما
يكسبه المسلم من ذكر واستغفار ودعاء، في هذا الوقت المبارك، وقت السحر
الذي تنزل فيه الرحمات، عسى أن يكون من المستغفرين بالأسحار.
ومن السنة تأخير السحور، تقليلاً لمدة الجوع والحرمان، قال زيد بن
ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، فسأله
أنس: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين آية (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان
-666).
وقوله تعالى: (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر) تفيد جواز الأكل إلى أن يتبين الفجر.
ومن شك هل طلع الفجر أم لا، جاز له أن يأكل ويشرب حتى يستيقن، وهكذا
قال حبر الأمة ابن عباس: كل ما شككت حتى تستيقن.
ونقله أبو داود عن الإمام أحمد: أنه يأكل حتى يستيقن طلوعه.
بل روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن حذيفة قال: تسحرنا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم وكان النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (ذكره ابن كثير في
تفسيره -222/1).
وحمله النسائي على أن المراد قرب النهار.
عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا
يضعه حتى يقضي حاجته منه" (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه
الذهبي 426/1).
وعن عائشة: أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن، حتى يطلع
الفجر" (البخاري في الصوم).
قال ابن كثير: (وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في
السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلى، وابن
مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن
طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز،
وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود،
وعطاء والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء
جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش، وجابر بن راشد) (تفسير ابن كثير -222/1
ط. عيسى الحلبي).
ومن هنا نعلم أن الأمر في وقت الفجر، ليس بالدقيقة والثانية، كما عليه
الناس اليوم، ففي الأمر سعة ومرونة وسماحة، كما كان عليه الكثير من
السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
وما تَعَوَّدَه كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل
الاحتياط مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكتابة ذلك في
الصحف والتقاويم والإمساكيات مما ينبغي أن يُنكر.
قال الحافظ ابن حجر: (من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع
الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي
جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه
أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس. وقد جرَّهم
ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا
- فأخَّروا الفطور وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم
الخير، وكثر الشر، والله المستعان)! (فتح الباري -102/5 ط. الحلبي).
أسم المفتي :
د
. يوسف القرضاوي