أصيرم
بني عبدالأشهل
كان أبو هريرة يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة
لم يُصلِّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟
فيقول : أصيرم بني عبد
الأشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش وكان يأبى الإسلام على قومه
فلما كان يوم خرج
الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه فعدا
حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فبينما رجال من بني عبد الأشهل
يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به ، فقالوا :( والله إن هذا للأصيرم ، ما جاء به
؟) فقالوا :( ما جاء بك يا عمرو ؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام ؟)
قال
:( بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفـي فغدوت على رسول
الله -صلى الله عليه وسلـم- ثم قاتلت حتى أصابنـي ما أصابني )
ثم لم يلبـث أن مات
في أيديهم ، فذكروه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( إنه من أهل الجنة)
الأعشى المازني
واسمه الأعشى : عبد الله بن الأعور المازني ،
ويُقال له الحرمازي ومازن وحرماز أخوان من بني تميم
الأعشى وامرأته
أتـى الأعشـى النبـي -صلـى اللـه عليـه وسلـم-
وأنشـده :
يا مالكَ الناس وديّان العـرب___إني لقيتْ ذِرْبَةً من
الذُّرَب
غدوتُ أبغيها الطعام في رجب___فخلفتني في نِزاعٍ وهَرَب
أخلفـتِ
العهدَ ولطـتْ بالذنب___وهُنّ شرُّ غالِبٍ لِمَنْ غَلَب
وسبب هذه الأبيات أن
الأعشى كانت عنده امرأة اسمها معاذة ، فخرج يمير أهله من هجر
فهربت امرأته بعده
ناشزاً عليه ، فعاذَتْ برجل منهم يُقال له مطرف بن بهصل ، فجعلها خلف ظهره ، فلمّا
قدم الأعشى لم يجدها في بيته ، وأُخبر أنها نشزت عليه ، وإنها عاذَتْ بمطرفٍ
فأتاه فقال له :( يا ابن عم عندك امرأتي مُعاذة ، فادْفَعها إليّ )
فقال :( ليست
عندي ، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك ) وكان مطرف أعز منه ، فسار الى النبي -صلى
الله عليه وسلم فعَاذَ به وقال الأبيات ، وشكا إليه امرأته وما صنعت ، وأنّها عند
مطرف بن بهصل ، فكتب النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- الى مطرف :( انظر امرأة هذا
مُعاذة ، فادفعْها إليه ) فأتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقُرِىء عليه
فقال :( يا مُعاذة ، هذا كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيكِ ، وأنا دافِعُكِ
إليه ) قالت :( خُذْ لي العهد والميثاق وذمة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا
يُعاقبني فيما صنعت ) فأخذ لها ذلك ودفعها إليه ، فأنشأ يقول
:
لعمرك ما
حبّي معاذة بالذي___يغيّره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ
أزلها___غواة رجال إذ ينادونها بعدي
الأقرع
بن حابس التميمي
وفد على النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- ، وشهد
فتح مكة وحُنينـاً والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه ، وقد كان
الأقرع حَكَماً في الجاهلية وقيل له الأقرع لقَرعٍ كان برأسه
وفد بني تميم
في العام التاسع للهجرة في عام الوفود ، قدم
على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفد من أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس
التميمي ، فلمّا دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وراء
حُجُراته :( أن اخرج إلينا يا محمد ) فآذى ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من
صياحهم ، فخرج إليهم ، فقالوا :( يا محمد جئناك نفاخرك فأذنْ لشاعرنا وخطيبنا
) قال :( قد أذنت لخطيبكم فليقل )
فقام خطيب تميم فقال :( الحمد لله
الذي له علينا الفضل والمن ، وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكاً ، ووهب لنا أموالاً
عظاماً نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعزّ أهل المشرق ، وأكثره عدداً ، وأيسره عُدةً
، فمن مثلُنا من الناس ؟ أقول هذه لأن تأتونا بمثل قولنا ، وأمر أفضل
من أمرنا )
ثم جلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لثابت بن قيس بن
الشماس :( قم فأجب الرجل في خطبته ) فقام ثابت فقال :( الحمد لله الذي السموات
والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم
كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً ، واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمه نسباً ، وأصدقه
حديثاً ، وأفضله حسباً ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من
العالمين ، ثم دعا الناس الى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي
رحمه ، أكرم الناس حسباً ، وأحسن الناس وجوهاً ، وخير الناس فعالاً ، ثم كان أول
خلقٍ أجابه واستجاب لله حين دعاه رسول الله نحن فنحن أنصار الله ، ووزراء رسوله ،
نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ، فمن آمن بالله ورسوله مَنَع منا ماله ودمه ، ومن
كفر جاهدناه في الله أبداً ، وكان قتله علينا يسيراً ، أقول قولي هذا واستغفر الله
لي وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم )
فقام شاعر تميم فأنشد
:
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا___منا الملوك وفينا تُنْصَبُ البيَعُ
وكم
قسرنا من الأحياء كلهم___عند النِّهابِ وفضلُ العزّ يتّبعُ
ونحن يطعِمُ عند القحط مطعمُنا___من الشواء إذا لم يؤنَس القزَعُ
إذا أبينا ولا يأبى لنا أحـدٌ___إنا كذلك عند الفخر نرتفع
وكان حسّان غائباً ، فبعث إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فحضر ،
فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أجبه ) فقال :( أسمعني ما قلت )
فأسمعه
، فقال حسّان :
ان الذوائـب من فهـرٍ وإخوتهـم___قد بيّنوا سنّـةً
للنـاسِ تُتبـعُ
يرضى بهم كل من كانت سريرتـه___تقوى الإله وكلَّ الخيرِ
يَصطنعُ
أكرمْ بقومٍ رسـول الله
شيعتُهم___إذا تفاوتت الأهواءُ والشيعُ
أهدى لهـم مدحتـي قلبٌ
يؤازرُهُ___فيما أحِبَّ لسانٌ حائك صَنَع
فإنّهـم أفضــلُ الأحيــاءِ
كلهــم___إن جد بالناس جد القول أو شمعوا
إسلام بني تميم
فقام الأقرع بن حابس فقال :( يا هؤلاء ، ما
أدري ما هذا الأمر ، تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتاً ، وتكلّم شاعرنا فكان
شاعرهم أرفع صوتاً وأحسن قولاً ) ثم دنا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :(
أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ) فقال رسول الله :( لا يضرّك ما كان
قبل هذا ) وأسلم القوم وقال أبو بكر :( يا رسول الله أمِّر الأقرع )
فأمّره
على قومه
جهاده
شهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل
العراق ، وشهد معه فتح الأنبار ، وكان هو على مقدمة خالد بن الوليد
واستعمله عبد الله بن عامر على جيشٍ سيّره الى خُرسان ، فأصيب بالجَوْزجان
هو و الجيش ، وذلك في زمن عثمان ، وقُتِلَ من أولاد الأقرع في اليرموك عشرة
البراء
بن مالك
البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ، خادم رسول
الله -صلى الله عليه وسلم ، ولقد تنبأ له الرسول الكريم بأنه مستجاب الدعوة ،
فليس عليه الا أن يدعو وألا يعجل وكان شعاره دوما ( الله و الجنة ) لذا كان
يقاتل المشركين ليس من أجل النصر وانما من أجل الشهادة ، أتى بعض اخوانه
يعودونه فقرأ وجوههم ثم قال :( لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي ، لا والله لن
يحرمني ربي الشهادة )
يوم
اليمامة
كان البراء -رضي الله عنه- بطلا مقداما ، لم
يتخلف يوما عن غزوة أو مشهد ، وقد كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون البراء قائدا
أبدا ، لأن اقدامه وبحثه على الشهادة يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة كبيرة
، وفي يوم اليمامة تجلت بطولته تحت امرة خالد بن الوليد ، فما أن أعطى القائد الأمر
بالزحف ، حتى انطلق البراء والمسلمون يقاتلون جيش مسيلمة الذي ما كان بالجيش الضعيف
، بل من أقوى الجيوش وأخطرها ، وعندما سرى في صفوف المسلمين شيء من الجزع ، نادى
القائد ( خالد ) البراء صاحب الصوت الجميل العالي :( تكلم يا براء )
فصاح
البراء بكلمات قوية عالية :( يا أهل المدينة ، لا مدينة لكم اليوم ، انما هو الله ،
والجنة ) فكانت كلماته تنبيها للظلام الذي سيعم لا قدر
الله
وبعد حين عادت
المعركة الى نهجها الأول ، والمسلمون يتقدمون نحو النصر ، واحتمى المشركون بداخل
حديقة كبيرة ، فبردت دماء المسلمون للقتال ، فصعد البراء فوق ربوة وصاح :( يا معشر
المسلمين ، احملوني وألقوني عليهم في الحديقة ) فهو يريد أن يدخل ويفتح الأبواب
للمسلمين ولوقتله المشركون فسينال الشهادة التي يريد ، ولم ينتظر البراء كثيرا
فاعتلى الجدار وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب واقتحمته جيوش المسلمين ، وتلقى
جسد البطل يومئذ بضعا وثمانين ضربة ولكن لم يحصل على الشهادة بعد ، وقد حرص القائد
خالد بن الوليد على تمريضه بنفسه
في
حروب العراق
وفي احدى الحروب في العراق لجأ الفرس الى
كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محماة بالنار يلقونها من حصونهم ، فتخطف من تناله من
المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا وسقط أحد هذه الكلاليب فجأة فتعلق به أنس
بن مالك ، ولم يستطع أنس أن يمس السلسلة ليخلص نفسه ، اذ كانت تتوهج نارا ، وأبصر
البراء المشهد ، فأسرع نحو أخيه الذي تصعد به السلسلة على سطح جدار الحصن ، وقبض
البراء على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قطعها ، ونجا أنس -رضي الله
عنه- وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما ، لقد ذهب كل مافيها
من لحم ، وبقى هيكلها العظمي مسمرا محترقا وقضى البطل فترة علاج بطيء حتى
برىء
موقعة تستر والشهادة
احتشد أهل الأهواز والفرس في جيش كثيف
ليناجزوا المسلمين ، وكتب أمير المؤمنين عمر الى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما-
بالكوفة ليرسل الى الأهواز جيشا ، وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى
الأهواز جيشا على أن يجعل أمير الجند سهيل بن عدي وليكون معه البراء بن مالك ،
والتقى الجيشان ليواجهوا جيش الأهواز والفرس وبدأت المعركة بالمبارزة ، فصرع
البراء وحده مائة مبارز من الفرس ، ثم التحمت الجيوش وراح القتلى يتساقطون من
الطرفين ، واقترب بعض الصحابة من البراء ونادوه قائلين :( أتذكر يا براء قول الرسول
عنك :" رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره
منهم البراء
بن مالك " يا براء اقسم على ربك ، ليهزمهم وينصرنا )
ورفع البراء ذراعيه الى
السماء ضارعا داعيا :( اللهم امنحنا أكتافهم ، اللهم اهزمهم ، وانصرنا عليهم
وألحقني اليوم بنبيك ) وألقى على أخيه أنس الذي كان يقاتل قريبا منه نظرة كأنه
يودعه ، واستبسل المسلمون استبسالا كبيرا ، وكتب لهم النصر
ووسط شهداء
المعركة ، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة كضوء الفجر ، وتقبض يمناه على حثية من
تراب مضمخة بدمه الطهور ، وسيفه ممدا الى جواره قويا غير مثلوم ، وأنهى مع اخوانه
الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم