عبدالله
بن طارق
يوم الرجيع
في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى
الله عليه وسلم- بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا
إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن
ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم
بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى
الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد ، فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع (
وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا
، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا
لهم :( إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم
عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ) فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن
ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا )
ثم قاتلوا القوم
وقتلوا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا فأسروا
وخرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق
يده من القِران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره رحمه
الله بالظهران وفي مكة باعوا خبيب بن عدي لحجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث ابن
عامر ليقتله بأبيه ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية
بن خلف .
عبدالله
بن عمرو بن العاص
لقد سبق عبد الله أباه عمرو بن العاص الى
الإسلام ، ومنذ أن بايع الرسول -صلى الله عليه وسلم - لم يعد الليل والنهار
يتّسعان لتعبّده ونسكه ، فعكـف على القرآن يحفظه ويفهمه ، وجلس في المسجد
متعبدا ، وفي داره صائما و قائما ، لا ينقطع عن الذكر أبدا ، وإذا خرج المسلمون
لقتال المشركين خرج معهم طالبا للشهادة .
تَعَبُّدِه
كان عبد الله -رضي الله عنه- إذا لم يكن هناك
خروج لغزو يقضي أيامه من الفجر الى الفجر في عبادة موصولة ، صيام وصلاة وتلاوة
القرآن ، ولسانه لا يعرف إلا ذكر الله وتسبيحه واستغفاره ، فعلم الرسول -صلى الله
عليه وسلم- بإيغال عبد الله بالعبادة ، فاستدعاه وراح يدعوه الى القصد في العبادة
فقال الرسول الكريم :( ألَم أخْبَر أنك تصوم النهار لا تفطر ، وتصلي الليل لا تنام
؟ فحَسْبُك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام )
فقال عبد الله :( إني أطيق أكثر من
ذلك ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين )
قال
عبد الله :( فإني أطيق أكثر من ذلك ) قال رسول الله :( فهل لك إذن في خير الصيام
، صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً )
وعاد الرسول -صلى الله عليه
وسلم- يسأله قائلا :( وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة ، وإني أخشى أن يطول بك العمر
وأن تملَّ قراءته اقرأه في كل شهر مرة
اقرأه في كل عشرة أيام مرة اقرأه في كل
ثلاثٍ مرة ) ثم قال له :( إني أصوم وأفطر
وأصلي وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن
رغِبَ عن سُنَّتي فليس مني )
ولقد عَمَّـرَ عبد الله بن عمـرو طويلا ، ولمّا
تقدمـت به السـن ووَهَـن منه العظـم ، كان يتذكر دائما نُصْـحَ الرسول فيقول :( يا
ليتني قبلـت رُخصـة رسـول اللـه ) .
الوصية الغالية
رأينا كيف كان عبد الله بن عمرو مقبلا على
العبادة إقبالا كبيرا ، الأمر الذي كان يشغل بال أبيه عمرو بن العاص دائما ، فيشكوه
الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ، وفي المرة الأخيرة التي أمره الرسول فيها
بالقصد في العبادة وحدّد له مواقيتها كان عمرو حاضرا ، فأخذ الرسول يد عبد الله
ووضعها في يد عمرو بن العاص أبيه وقال الرسول له : ( افعل ما أمرتك وأطِعْ أباك
) فكان لهذا العبارة تأثيرا خاصا على نفس عبد الله -رضي الله عنه- وعاش عمره
الطويل لا ينسى لحظة تلك العبارة الموجزة .
موقعة صِفّين
عندما قامت الحرب بين طائفتين من المسلمين ،
علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان اختار عمرو بن العاص طريقه الى جوار معاوية
، وكان يدرك مدى حب المسلمين وثقتهم بابنه عبد الله ، فحين همّ بالخروج الى صِفّين
دعاه إليه ليحمله على الخروج الى جانب معاوية فقال له :( يا عبد الله تهيأ للخروج ،
فإنك ستقاتل معنا ) وأجاب عبد الله :( كيف ؟
وقد عهد إليّ رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ألا أضع سيفا على عنق مسلم أبدا ) وحاول عمرو أن يقنعه بأنهم إنما
يريدون الخروج ليصلوا الى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الطاهر ثم ألقى مفاجأته على
ابنه قائلا :( أتذكر يا عبد الله آخر عهد عهده إليك النبي -صلى الله عليه وسلم- حين
أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك : أطِعْ أباك ؟ فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا
وتقاتل ) وخرج عبد الله بن عمرو طاعة لأبيه ، وفي عزمه ألا يحمل سيفا ولا يقاتل
مسلما ، ونشب القتال حاميا ويختلف المؤرخون فيما إذا كان عبد الله قد اشترك في
بداية القتال أم لا ، ونقول ذلك لأنه ما لبث أن حدث شيء عظيم جعل عبد الله يغير
موقفه ويصبح ضد معاوية .
مقتل
عمّار
لقد قاتل عمّار بن ياسر مع علي بن أبي طالب
وقُتِلَ على يد جند معاوية ، ومن المعلوم لعبد الله بن عمرو بن العاص أن عمّارا
ستقتله الفئة الباغية ، فقد تنبأ بذلك الرسول الكريم حينما كانوا يبنون مسجد الرسول
في المدينة ، وكان عمّار يحمل الحجارة فرحا فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وعيناه تدمعان :( ويْحُ ابن سُميّة ، تقتله الفئة الباغية )
وسمع ذلك الصحابة
وعبد الله معهم ، وهاهو عمّار تواصى بقتله جماعة من جيش معاوية فسدّدوا نحوه رمية
آثمة ، استشهد منها عمّار بن ياسر ، وسرى خبر مقتله كالريح ، فانتفض عبد الله بن
عمرو ثائرا مُهْتاجا :( أوَ قد قُتِلَ عمّار ؟ وأنتم قاتلوه ؟
إذن أنتم الفئة
الباغية ، أنتم المقاتلون على ضلالة !!) وانطلق في جيش معاوية كالنذير ، يُثيِط
عزائمهم ، ويهتف بأنهم بغاة لأنهم قتلوا عمّاراً ، وتحققت نبوءة الرسول -صلى الله
عليه وسلم .
عبد الله و معاوية
وحُمِلَت مقالة عبد الله الى معاوية ، فدعا
عمرو وابنه عبد الله وقال لعمرو :( ألا تكُفَّ عنا مجنونك هذا ؟)
قال عبد الله :(
ما أنا بمجنون ، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لعمار
تَقْـتُـلُكَ الفئة الباغية ) قال له معاوية :( فلم خَرَجْت معنا ؟)
قال عبد
الله :( لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي ، وقد أطعتُه في الخروج ، ولكني لا أقاتل
معكم ) وإذ هُما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمّار في الدخول ، فصاح
عبد الله بن عمرو :( ائذن له ، وبشّره بالنار ) وأفلتت مغايظ معاوية على الرغم من
طول أناته وسعة حِلُمه وصاح بعمرو :( أوتَسْمَع ما يقول )
وعاد عبد الله الى هدوء
المتقين مؤكدا لمعاوية أنه لم يقل إلا الحق ، والتفت صوب أبيه وقال :( لولا أن رسول
الله أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير ) وعاد عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-
الى مسجده وعبادته ، ونجح معاوية وعمرو من السيطرة على الجيش وإفهامه أن من قتل
عمّارا هم من خرجوا به الى القتال ، واستأنف الفريقان القتال
الندم
وعاش عبد الله -رضي الله عنه- حياته لا يملؤها
بغير مناسكه وتعبُّده ، غير أن خروجه الى صفّين ظل مبعث قلق له على الدوام ، وكلما
تذكر يبكي ويقول :( مالي ولِصِفّين ؟ مالي ولقِتال المسلمين
؟)
ذات يوم ،
وهو جالس في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أصحابه مر بهم ( الحسين بن
علي ) فتبادلا السلام ، ولما مضى عنهم قال عبد الله لمن معه :( أتحبون أن أخبركم
بأحب أهل الأرض الى أهل السماء ؟ إنه هذا الذي مرَّ بنا الآن ، وإنه ما كلمني منذ
صفّين ، ولأن يرضى عني ، أحب إلي من حُمر النَّعَم )
واتفق مع أبي سعيد
الخدري على زيارة الحسين ، وهناك تم لقاء الأكرمين ، وعندما ذُكِرَت صفّين ، سأله
الحسين معاتبا :( ما الذي حملك على الخروج مع معاوية ؟) قال عبد الله :( ذات يوم
شكاني عمرو بن العاص الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له :( إن عبد الله
يصوم النهار كله ، ويقوم الليل كله ، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا
عبد الله صلّ ونم ، وصُم وأفطر ، وأطِع أباك ) ، ولما كان يوم صفّين أقسم علي أبي
أن أخرج معهم ، فخرجت و لكن والله ، ما اختَرَطْت سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت
بسهم )
وفاته
وحين بلوغه الثانية والسبعين من عمره المبارك ، وإذ هو
في مُصلاّه ، يتضرع الى ربه ، ويسبح بحمده ، دُعيَ الى رحلة الأبد ، فذهبت روحه
تسعى وتطير الى لقاء الأحبة .
عبدالله
بن عمر
عبد الله بن عمر بن الخطاب بدأت علاقته مع
الإسلام منذ أن هاجر مع والده الى المدينة وهو غلام صغير ، ثم وهو في الثالثة
عشر من عمره حين صحبه والده لغزوة بدر لولا أن رده الرسـول -صلى الله عليه
وسلم- لصغر سنه ، تعلم من والده عمر بن الخطاب خيرا كثيرا ، وتعلم مع أبيه من
الرسول العظيم الخير كله ، فأحسنا الإيمان .
محاكاة الرسول
كان عبد الله بن عمر حريصا كل الحرص على أن
يفعل ما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعله ، فيصلي في ذات المكان ، ويدعو
قائما كالرسول الكريم ، بل يذكر أدق التفاصيل ففي مكة دارت ناقة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- دورتين قبل أن ينزل الرسول من على ظهرها ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة
فعلت ذلك بدون سبب لكن عبد الله لا يكاد يبلغ نفس المكان في مكة حتى يدور بناقته ثم
ينيخها ثم يصلي لله ركعتين تماما كما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ، وتقول
في ذلك أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -:( ما كان أحد يتبع آثار النبي -صلى الله
عليه وسلم- في منازله كما كان يتبعه ابن عمر ) .
قيام الليل
يحدثنا ابن عمر -رضي الله عنهما- :( رأيت على
عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن بيدي قطعة إستبرق ، وكأنني لا أريد مكانا
من الجنة إلا طارت بي إليه ، ورأيت كأن اثنين أتياني وأرادا أن يذهبا بي إلى النار
فتلقاهما ملك فقال : لا تُرَع فخليا عني فقصت حفصة أختي على النبي -صلى الله عليه
سلم- رؤياي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان
يصلي من الليل فيكثر ) ومنذ ذلك اليوم الى أن لقي ربه لم يدع قيام الليل في حلِّه
أو ترحاله .
بكائه
كان عبدالله مثل أبيه -رضي الله عنهما- تهطل
دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن ، فقد جلس يوما بين إخوانه فقرأ
(
ويل للمُطَفِّفين الذين إذا اكتالوا على الناس
يستوفون ، وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخسرون ، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم
، يوم يقوم الناس لرب العالمين )
ثم مضى يردد :( يوم يقوم
الناس لرب العالمين ) ودموعه تسيل كالمطر ، حتى وقع من كثرة وجده
وبكائه .
حذره
كان -رضي الله عنه- شديد الحذر في روايته عن
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقد قال معاصروه :( لم يكن من أصحاب رسول الله أحد
أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر )
كما
كان شديد الحذر والحرص في الفُتيا ، فقد جاءه يوما سائل يستفتيه في سؤال فأجابه
قائلا :( لا علم لي بما تسأل ) وذهب الرجل الى سبيله ، ولا يكاد يبتعد بضع خطوات
عن ابن عمر حتى يفرك ابن عمر كفيه فرحا ويقول لنفسه :( سئل ابن عمر عما لا يعلم ،
فقال لا يعلم ) .
القضاء
دعاه يوما الخليفـة عثمـان -رضي اللـه عنهما-
وطلب منه أن يشغل منصـب القضـاء ، فاعتذر وألح عليه عثمـان فثابر على اعتذاره ،
وسأله عثمان :( أتعصيني ؟) فأجاب ابن عمر :( كلا ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة ،
قاض يقضي بجهل فهو في النار ، وقاض يقضي بهوى فهو في النار ، وقاض يجتهد ويصيب فهو
كفاف لا وزر ولا أجر ، وإني لسائلك بالله أن تعفيني ) وأعفاه عثمان بعد أن أخذ
عليه عهدا ألا يخبر أحدا ، لأنه خشي إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا
نهجه .
جوده
كان ابن عمر -رضي الله عنه- من ذوي الدخول
الرغيدة الحسنة ، إذ كان تاجراً أميناً ناجحاً ، وكان راتبه من بيت مال المسلمين
وفيرا ، ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط ، إنما كان يرسله على الفقراء والمساكين
والسائلين ، فقد رآه ( أيوب بن وائل الراسبي ) وقد جاءه أربعة آلاف درهم وقطيفة ،
وفي اليوم التالي رآه في السوق يشتري لراحلته علفاً ديناً ، فذهب أيوب بن وائل الى
أهل بيت عبد الله وسألهم ، فأخبروه :( إنه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعا ، ثم أخذ
القطيفة وألقاها على ظهره و خرج ، ثم عاد وليست معه ، فسألناه عنها فقال إنه وهبها
لفقير ) فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف ، حتى أتـى السوق وصاح بالناس :( يا معشر
التجار ، ما تصنعون بالدنيا ، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها ، ثم يصبح
فيستـدين علفاً لراحلته !!) كما كان عبد الله بن عمر يلوم أبناءه حين يولمون
للأغنياء ولا يأتون معهم بالفقراء ويقول لهم :( تَدْعون الشِّباع وتَدَعون الجياع )
.
زهده
أهداه أحد إخوانه القادمين من خُراسان حُلة
ناعمة أنيقة وقال له :( لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك
تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه ، وترتدي هذا الثوب الجميل ) قال له ابن عمر :
( أرِنيه
إذن ) ثم لمسه وقال : ( أحرير هذا ؟)
قال صاحبه : ( لا ، إنه قطن )
وتملاه عبد
الله قليلا ، ثم دفعه بيمينه وهو يقول :( لا إني أخاف على نفسي ، أخاف أن يجعلني
مختالا فخورا ، والله لا يحب كل مختال فخور ) .
وأهداه يوما صديق وعا
مملوءاً ، وسأله ابن عمر :( ما هذا ؟) قال :( هذا دواء عظيم جئتك به من العراق
) قال ابن عمر : ( وماذا يُطَبِّب هذا الدواء ؟)
قال :( يهضم الطعام ) فابتسم
ابن عمر وقال لصاحبه :( يهضم الطعام ؟ إني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما
)
لقد كان عبد الله -رضي الله عنه- خائفا من أن يقال له يوم القيامة :(
أَذْهَبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) كما كان يقول عن نفسه :( ما
وضعت لَبِنَة على لَبِنَة ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-) ويقول ميمون بن مهران :( دخلت على ابن عمر ، فقوّمت كل شيء في بيته من
فراش ولحاف وبساط ، ومن كل شيء فيه ، فما وجدته يساوي مائة درهم )
خوفه
كان إذا ذُكِّر عبد الله بن عمر بالدنيا
ومتاعها التي يهرب منها يقول :( لقد اجتمعت وأصحابي على أمر ، وإني لأخاف إن
خالفتهم ألا ألحق بهم ) ثم يخبر الآخرين أنه لم يترك الدنيا عجزا ، فيرفع يديه
الى السماء ويقول :( اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه
الدنيا ) .
الخلافة
عرضت الخلافة على ابن عمر -رضي الله عنه- عدة
مرات فلم يقبلها ، فهاهو الحسن -رضي الله عنه- يقول :( لما قُتِل عثمان بن عفان ،
قالوا لعبد الله بن عمر :( إنك سيد الناس وابن سيد الناس ، فاخرج نبايع لك الناس
) قال :( إني والله لئن استطعت ، لا يُهـْرَاق بسببي مِحْجَمَـة من دم )
قالوا
:( لَتَخْرُجَنّ أو لنقتُلك على فراشك ) فأعاد عليهم قوله الأول
فأطمعوه وخوفوه
فما استقبلوا منه شيئاً )
فقد كان ابن عمر يأبى أن يسعى الى الخلافة إلا إذا
بايعه المسلمون جميعا طائعين وليس بالسيف ، فقد لقيه رجلا فقال له :( ما أحد شر
لأمة محمـد منك ) قال ابن عمر :( ولم ؟
فوالله ما سفكت دماءهـم ولا فرقـت
جماعتهم ولا شققت عصاهـم ) قال الرجل :( إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنـان )
قال
ابن عمر :( ما أحب أنها أتتني ، ورجل يقول : لا ، وآخر يقول : نعم )
واستقر
الأمر لمعاوية ومن بعده لابنه يزيد ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا
فيها بعد أيام من توليها ، وكان عبد الله بن عمر شيخا مسناً كبيراً فذهب إليه مروان
وقال له :( هَلُمّ يدك نبايع لك ، فإنك سيد العرب وابن سيدها )
قال له ابن عمر :(
كيف نصنع بأهل المشرق ؟) قال مروان :( نضربهم حتى يبايـعوا )
قال ابن عمـر :(
والله ما أحـب أنها تكون لي سبعيـن عاما ، ويقتـل بسببـي رجل واحد )
فانصـرف عنه مـروان .
موقفه من الفتنة
رفض -رضي الله عنه- استعمال القوة والسيف في
الفتنة المسلحة بين علي ومعاوية ، وكان الحياد شعاره ونهجه :( من قال حيّ على
الصلاة أجبته ، ومن قال حيّ على الفلاح أجبته ، ومن قال حيّ على قَتْل أخيك المسلم
وأخذ ماله قلت : لا ) يقول أبو العالية البراء :( كنت أمشي يوما خلف ابن عمر وهو
لا يشعر بي فسمعته يقول :( واضعين سيوفهم على عَوَاتِقِهم يقتل بعضهم بعضا يقولون :
ياعبد الله بن عمر أَعْطِ يدك ))
وقد سأله نافع :( يا أبا عبد الرحمن ، أنت
ابن عمر ، وأنت صاحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأنت وأنت فما يمنعك من هذا
الأمر -يعني نصرة علي- ؟) فأجابه قائلا :( يمنعني أن الله تعالى حرّم عليّ دم
المسلم ، لقد قال عزّ وجل :( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )
ولقد
فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أما اليوم ففيم نُقاتل ؟
لقد قاتلت
والأوثان تملأ الحرم من الركن الى الباب ، حتى نضاها الله من أرض العرب ، أفأُقاتل
اليوم من يقول : لا إله إلا الله ؟!) .
وفاته
وفي العام الثالث والسبعين للهجرة توفي عبد
الله بن عمر -رضي الله عنه .
عبدالله
بن عمرو بن حرام
هو عبدالله بن عمرو بن حرام أحد السبعين الذين
بايعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الثانية ، جعله الرسول الكريم
نقيبا على قومه من بني سلمة ولما عاد الى المدينة وضع نفسه وماله في خدمة
الاسلام ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلا نهارا بعد هجرته الى المدينة
.
احساس الشهادة
في غزوة أحد ، غمره احساسا رائعا بأنه لن يعود
، فدعا ابنه جابر بن عبدالله وقال له :( اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين ، واني والله ، لا أدع أحدا بعدي أحب الي
منك بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وان علي دينا فاقض عني ديني ، واستوص
باخوتك خيرا ) .
أحد والشهادة
وفي غزوة أحد ، دارت معركة قوية بين المسلمين
والمشركين ، كاد أن يكون النصر للمسلمين لولا انكشاف ظهرهم ، عندما انشغل الرماة
بجمع الغنائم ، ففاجأهم العدو بهجوم خاطف حول النصر الى هزيمة ولما ذهب
المسلمون بعد المعركة ينظرون شهدائهم ، ذهب جابر بن عبدالله يبحث عن أبيه ، حتى
وجده شهيدا ، وقد مثل به المشركون ، ووقف جابر وبعض أهله يبكون الشهيد عبدالله بن
عمرو بن حرام فمر بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( ابكوه أو لا تبكوه فان
الملائكة لتظله بأجنحتها ) وعندما جاء دور عبدالله ليدفن نادى الرسول -صلى الله
عليه وسلم- :( ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فانهما كانا
في الدنيا متحابين ، متصافيين )
الرسول ينبأ بشغف أبوجابر للشهادة
كان حبه-رضي الله عنه- بل شغفه للموت في سبيل
الله منتهى أطماحه وأمانيه ، ولقد أنبأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عنه فيما بعد
نبأ عظيم يصور شغفه بالشهادة ، فقال -عليه الصلاة و السلام- لولده جابر يوما :( يا
جابر : ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب ، ولقد كلم كفاحا -أي مواجهة-
فقال له :" يا عبدي ، سلني أعطيك "
فقال :( يا رب ،
أسألك أن تردني الى الدنيا ، لأقتل في سبيلك ثانية )
قال الله له :" انه قد سبق القول مني : أنهم اليها لا يرجعون
"
قال :( يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة
)
فانزل الله تعالى :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل
الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله ،
ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنزن "