صور من حياة الصحابة
ص 21
عبدالله بن عمرو بن حرام عبدالله بن عمر عبدالله بن عمرو بن العاص عبدالله بن طارق

عبدالله بن طارق

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد ، فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ) فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) ثم قاتلوا القوم وقتلوا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا فأسروا وخرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القِران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره رحمه الله بالظهران وفي مكة باعوا خبيب بن عدي لحجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث ابن عامر ليقتله بأبيه ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف .

عبدالله بن عمرو بن العاص

لقد سبق عبد الله أباه عمرو بن العاص الى الإسلام ، ومنذ أن بايع الرسول -صلى الله عليه وسلم - لم يعد الليل والنهار يتّسعان لتعبّده ونسكه ، فعكـف على القرآن يحفظه ويفهمه ، وجلس في المسجد متعبدا ، وفي داره صائما و قائما ، لا ينقطع عن الذكر أبدا ، وإذا خرج المسلمون لقتال المشركين خرج معهم طالبا للشهادة .

تَعَبُّدِه

كان عبد الله -رضي الله عنه- إذا لم يكن هناك خروج لغزو يقضي أيامه من الفجر الى الفجر في عبادة موصولة ، صيام وصلاة وتلاوة القرآن ، ولسانه لا يعرف إلا ذكر الله وتسبيحه واستغفاره ، فعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإيغال عبد الله بالعبادة ، فاستدعاه وراح يدعوه الى القصد في العبادة فقال الرسول الكريم :( ألَم أخْبَر أنك تصوم النهار لا تفطر ، وتصلي الليل لا تنام ؟ فحَسْبُك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ) فقال عبد الله :( إني أطيق أكثر من ذلك ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين ) قال عبد الله :( فإني أطيق أكثر من ذلك ) قال رسول الله :( فهل لك إذن في خير الصيام ، صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً )  
وعاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسأله قائلا :( وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة ، وإني أخشى أن يطول بك العمر وأن تملَّ قراءته اقرأه في كل شهر مرة اقرأه في كل عشرة أيام مرة اقرأه في كل ثلاثٍ مرة ) ثم قال له :( إني أصوم وأفطر   وأصلي وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليس مني )  
ولقد عَمَّـرَ عبد الله بن عمـرو طويلا ، ولمّا تقدمـت به السـن ووَهَـن منه العظـم ، كان يتذكر دائما نُصْـحَ الرسول فيقول :( يا ليتني قبلـت رُخصـة رسـول اللـه )  .

الوصية الغالية

رأينا كيف كان عبد الله بن عمرو مقبلا على العبادة إقبالا كبيرا ، الأمر الذي كان يشغل بال أبيه عمرو بن العاص دائما ، فيشكوه الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ، وفي المرة الأخيرة التي أمره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدّد له مواقيتها كان عمرو حاضرا ، فأخذ الرسول يد عبد الله ووضعها في يد عمرو بن العاص أبيه وقال الرسول له : ( افعل ما أمرتك  وأطِعْ أباك ) فكان لهذا العبارة تأثيرا خاصا على نفس عبد الله -رضي الله عنه- وعاش عمره الطويل لا ينسى لحظة تلك العبارة الموجزة .

موقعة صِفّين

عندما قامت الحرب بين طائفتين من المسلمين ، علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان اختار عمرو بن العاص طريقه الى جوار معاوية ، وكان يدرك مدى حب المسلمين وثقتهم بابنه عبد الله ، فحين همّ بالخروج الى صِفّين دعاه إليه ليحمله على الخروج الى جانب معاوية فقال له :( يا عبد الله تهيأ للخروج ، فإنك ستقاتل معنا ) وأجاب عبد الله :( كيف ؟ وقد عهد إليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا أضع سيفا على عنق مسلم أبدا ) وحاول عمرو أن يقنعه بأنهم إنما يريدون الخروج ليصلوا الى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الطاهر ثم ألقى مفاجأته على ابنه قائلا :( أتذكر يا عبد الله آخر عهد عهده إليك النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك : أطِعْ أباك ؟ فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل ) وخرج عبد الله بن عمرو طاعة لأبيه ، وفي عزمه ألا يحمل سيفا ولا يقاتل مسلما ، ونشب القتال حاميا ويختلف المؤرخون فيما إذا كان عبد الله قد اشترك في بداية القتال أم لا ، ونقول ذلك لأنه ما لبث أن حدث شيء عظيم جعل عبد الله يغير موقفه ويصبح ضد معاوية  .

مقتل عمّار

لقد قاتل عمّار بن ياسر مع علي بن أبي طالب وقُتِلَ على يد جند معاوية ، ومن المعلوم لعبد الله بن عمرو بن العاص أن عمّارا ستقتله الفئة الباغية ، فقد تنبأ بذلك الرسول الكريم حينما كانوا يبنون مسجد الرسول في المدينة ، وكان عمّار يحمل الحجارة فرحا فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعيناه تدمعان :( ويْحُ ابن سُميّة ، تقتله الفئة الباغية ) وسمع ذلك الصحابة وعبد الله معهم ، وهاهو عمّار تواصى بقتله جماعة من جيش معاوية فسدّدوا نحوه رمية آثمة ، استشهد منها عمّار بن ياسر ، وسرى خبر مقتله كالريح ، فانتفض عبد الله بن عمرو ثائرا مُهْتاجا :( أوَ قد قُتِلَ عمّار ؟ وأنتم قاتلوه ؟ إذن أنتم الفئة الباغية ، أنتم المقاتلون على ضلالة !!) وانطلق في جيش معاوية كالنذير ، يُثيِط عزائمهم ، ويهتف بأنهم بغاة لأنهم قتلوا عمّاراً ، وتحققت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم .

عبد الله و معاوية

وحُمِلَت مقالة عبد الله الى معاوية ، فدعا عمرو وابنه عبد الله وقال لعمرو :( ألا تكُفَّ عنا مجنونك هذا ؟)  قال عبد الله :( ما أنا بمجنون ، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لعمار تَقْـتُـلُكَ الفئة الباغية ) قال له معاوية :( فلم خَرَجْت معنا ؟) قال عبد الله :( لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي ، وقد أطعتُه في الخروج ، ولكني لا أقاتل معكم ) وإذ هُما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمّار في الدخول ، فصاح عبد الله بن عمرو :( ائذن له ، وبشّره بالنار ) وأفلتت مغايظ معاوية على الرغم من طول أناته وسعة حِلُمه وصاح بعمرو :( أوتَسْمَع ما يقول ) وعاد عبد الله الى هدوء المتقين مؤكدا لمعاوية أنه لم يقل إلا الحق ، والتفت صوب أبيه وقال :( لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير ) وعاد عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- الى مسجده وعبادته ، ونجح معاوية وعمرو من السيطرة على الجيش وإفهامه أن من قتل عمّارا هم من خرجوا به الى القتال ، واستأنف الفريقان القتال  

الندم

وعاش عبد الله -رضي الله عنه- حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبُّده ، غير أن خروجه الى صفّين ظل مبعث قلق له على الدوام ، وكلما تذكر يبكي ويقول :( مالي ولِصِفّين ؟ مالي ولقِتال المسلمين ؟)  
ذات يوم ، وهو جالس في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أصحابه مر بهم ( الحسين بن علي ) فتبادلا السلام ، ولما مضى عنهم قال عبد الله لمن معه :( أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض الى أهل السماء ؟ إنه هذا الذي مرَّ بنا الآن ، وإنه ما كلمني منذ صفّين ، ولأن يرضى عني ، أحب إلي من حُمر النَّعَم )  
واتفق مع أبي سعيد الخدري على زيارة الحسين ، وهناك تم لقاء الأكرمين ، وعندما ذُكِرَت صفّين ، سأله الحسين معاتبا :( ما الذي حملك على الخروج مع معاوية ؟) قال عبد الله :( ذات يوم شكاني عمرو بن العاص الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له :( إن عبد الله يصوم النهار كله ، ويقوم الليل كله ، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا عبد الله صلّ ونم ، وصُم وأفطر ، وأطِع أباك ) ، ولما كان يوم صفّين أقسم علي أبي أن أخرج معهم ، فخرجت و لكن والله ، ما اختَرَطْت سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم )  

وفاته

وحين بلوغه الثانية والسبعين من عمره المبارك ، وإذ هو في مُصلاّه ، يتضرع الى ربه ، ويسبح بحمده ، دُعيَ الى رحلة الأبد ، فذهبت روحه تسعى وتطير الى لقاء الأحبة .

عبدالله بن عمر

عبد الله بن عمر بن الخطاب بدأت علاقته مع الإسلام منذ أن هاجر مع والده الى المدينة وهو غلام صغير ، ثم وهو في الثالثة عشر من عمره حين صحبه والده لغزوة بدر لولا أن رده الرسـول -صلى الله عليه وسلم- لصغر سنه ، تعلم من والده عمر بن الخطاب خيرا كثيرا ، وتعلم مع أبيه من الرسول العظيم الخير كله ، فأحسنا الإيمان  .

محاكاة الرسول

كان عبد الله بن عمر حريصا كل الحرص على أن يفعل ما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعله ، فيصلي في ذات المكان ، ويدعو قائما كالرسول الكريم ، بل يذكر أدق التفاصيل ففي مكة دارت ناقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- دورتين قبل أن ينزل الرسول من على ظهرها ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة فعلت ذلك بدون سبب لكن عبد الله لا يكاد يبلغ نفس المكان في مكة حتى يدور بناقته ثم ينيخها ثم يصلي لله ركعتين تماما كما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ، وتقول في ذلك أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -:( ما كان أحد يتبع آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- في منازله كما كان يتبعه ابن عمر ) .

قيام الليل

يحدثنا ابن عمر -رضي الله عنهما- :( رأيت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن بيدي قطعة إستبرق ، وكأنني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه ، ورأيت كأن اثنين أتياني وأرادا أن يذهبا بي إلى النار فتلقاهما ملك فقال : لا تُرَع فخليا عني فقصت حفصة أختي على النبي -صلى الله عليه سلم- رؤياي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فيكثر ) ومنذ ذلك اليوم الى أن لقي ربه لم يدع قيام الليل في حلِّه أو ترحاله .

بكائه

كان عبدالله مثل أبيه -رضي الله عنهما- تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن ، فقد جلس يوما بين إخوانه فقرأ

 ( ويل للمُطَفِّفين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخسرون ، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين )  

ثم مضى يردد :( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ودموعه تسيل كالمطر ، حتى وقع من كثرة وجده وبكائه .

حذره

كان -رضي الله عنه- شديد الحذر في روايته عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقد قال معاصروه :( لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر ) كما كان شديد الحذر والحرص في الفُتيا ، فقد جاءه يوما سائل يستفتيه في سؤال فأجابه قائلا :( لا علم لي بما تسأل ) وذهب الرجل الى سبيله ، ولا يكاد يبتعد بضع خطوات عن ابن عمر حتى يفرك ابن عمر كفيه فرحا ويقول لنفسه :( سئل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا يعلم )  .

القضاء

دعاه يوما الخليفـة عثمـان -رضي اللـه عنهما- وطلب منه أن يشغل منصـب القضـاء ، فاعتذر وألح عليه عثمـان فثابر على اعتذاره ، وسأله عثمان :( أتعصيني ؟) فأجاب ابن عمر :( كلا ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة ، قاض يقضي بجهل فهو في النار ، وقاض يقضي بهوى فهو في النار ، وقاض يجتهد ويصيب فهو كفاف لا وزر ولا أجر ، وإني لسائلك بالله أن تعفيني ) وأعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه عهدا ألا يخبر أحدا ، لأنه خشي إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا نهجه .

جوده

كان ابن عمر -رضي الله عنه- من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة ، إذ كان تاجراً أميناً ناجحاً ، وكان راتبه من بيت مال المسلمين وفيرا ، ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط ، إنما كان يرسله على الفقراء والمساكين والسائلين ، فقد رآه ( أيوب بن وائل الراسبي ) وقد جاءه أربعة آلاف درهم وقطيفة ، وفي اليوم التالي رآه في السوق يشتري لراحلته علفاً ديناً ، فذهب أيوب بن وائل الى أهل بيت عبد الله وسألهم ، فأخبروه :( إنه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعا ، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره و خرج ، ثم عاد وليست معه ، فسألناه عنها فقال إنه وهبها لفقير ) فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف ، حتى أتـى السوق وصاح بالناس :( يا معشر التجار ، ما تصنعون بالدنيا ، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها ، ثم يصبح فيستـدين علفاً لراحلته !!) كما كان عبد الله بن عمر يلوم أبناءه حين يولمون للأغنياء ولا يأتون معهم بالفقراء ويقول لهم :( تَدْعون الشِّباع وتَدَعون الجياع ) .

زهده

أهداه أحد إخوانه القادمين من خُراسان حُلة ناعمة أنيقة وقال له :( لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه ، وترتدي هذا الثوب الجميل ) قال له ابن عمر : ( أرِنيه إذن ) ثم لمسه وقال : ( أحرير هذا ؟) قال صاحبه : ( لا ، إنه قطن ) وتملاه عبد الله قليلا ، ثم دفعه بيمينه وهو يقول :( لا إني أخاف على نفسي ، أخاف أن يجعلني مختالا فخورا ، والله لا يحب كل مختال فخور ) .

وأهداه يوما صديق وعا مملوءاً ، وسأله ابن عمر :( ما هذا ؟) قال :( هذا دواء عظيم جئتك به من العراق ) قال ابن عمر : ( وماذا يُطَبِّب هذا الدواء ؟) قال :( يهضم الطعام ) فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه :( يهضم الطعام ؟  إني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما )  

لقد كان عبد الله -رضي الله عنه- خائفا من أن يقال له يوم القيامة :( أَذْهَبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) كما كان يقول عن نفسه :( ما وضعت لَبِنَة على لَبِنَة ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) ويقول ميمون بن مهران :( دخلت على ابن عمر ، فقوّمت كل شيء في بيته من فراش ولحاف وبساط ، ومن كل شيء فيه ، فما وجدته يساوي مائة درهم )  

خوفه

كان إذا ذُكِّر عبد الله بن عمر بالدنيا ومتاعها التي يهرب منها يقول :( لقد اجتمعت وأصحابي على أمر ، وإني لأخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم ) ثم يخبر الآخرين أنه لم يترك الدنيا عجزا ، فيرفع يديه الى السماء ويقول :( اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه الدنيا ) .

الخلافة

عرضت الخلافة على ابن عمر -رضي الله عنه- عدة مرات فلم يقبلها ، فهاهو الحسن -رضي الله عنه- يقول :( لما قُتِل عثمان بن عفان ، قالوا لعبد الله بن عمر :( إنك سيد الناس وابن سيد الناس ، فاخرج نبايع لك الناس ) قال :( إني والله لئن استطعت ، لا يُهـْرَاق بسببي مِحْجَمَـة من دم ) قالوا :( لَتَخْرُجَنّ أو لنقتُلك على فراشك ) فأعاد عليهم قوله الأول فأطمعوه وخوفوه فما استقبلوا منه شيئاً )  
فقد كان ابن عمر يأبى أن يسعى الى الخلافة إلا إذا بايعه المسلمون جميعا طائعين وليس بالسيف ، فقد لقيه رجلا فقال له :( ما أحد شر لأمة محمـد منك ) قال ابن عمر :( ولم ؟ فوالله ما سفكت دماءهـم ولا فرقـت جماعتهم ولا شققت عصاهـم ) قال الرجل :( إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنـان ) قال ابن عمر :( ما أحب أنها أتتني ، ورجل يقول : لا ، وآخر يقول : نعم )  
واستقر الأمر لمعاوية ومن بعده لابنه يزيد ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها ، وكان عبد الله بن عمر شيخا مسناً كبيراً فذهب إليه مروان وقال له :( هَلُمّ يدك نبايع لك ، فإنك سيد العرب وابن سيدها ) قال له ابن عمر :( كيف نصنع بأهل المشرق ؟) قال مروان :( نضربهم حتى يبايـعوا ) قال ابن عمـر :( والله ما أحـب أنها تكون لي سبعيـن عاما ، ويقتـل بسببـي رجل واحد ) فانصـرف عنه مـروان .

موقفه من الفتنة

رفض -رضي الله عنه- استعمال القوة والسيف في الفتنة المسلحة بين علي ومعاوية ، وكان الحياد شعاره ونهجه :( من قال حيّ على الصلاة أجبته ، ومن قال حيّ على الفلاح أجبته ، ومن قال حيّ على قَتْل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت : لا ) يقول أبو العالية البراء :( كنت أمشي يوما خلف ابن عمر وهو لا يشعر بي فسمعته يقول :( واضعين سيوفهم على عَوَاتِقِهم يقتل بعضهم بعضا يقولون : ياعبد الله بن عمر أَعْطِ يدك ))  
وقد سأله نافع :( يا أبا عبد الرحمن ، أنت ابن عمر ، وأنت صاحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأنت وأنت فما يمنعك من هذا الأمر -يعني نصرة علي- ؟) فأجابه قائلا :( يمنعني أن الله تعالى حرّم عليّ دم المسلم ، لقد قال عزّ وجل :( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أما اليوم ففيم نُقاتل ؟ لقد قاتلت والأوثان تملأ الحرم من الركن الى الباب ، حتى نضاها الله من أرض العرب ، أفأُقاتل اليوم من يقول : لا إله إلا الله ؟!) .

وفاته

وفي العام الثالث والسبعين للهجرة توفي عبد الله بن عمر -رضي الله عنه .  

عبدالله بن عمرو بن حرام

هو عبدالله بن عمرو بن حرام أحد السبعين الذين بايعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الثانية ، جعله الرسول الكريم نقيبا على قومه من بني سلمة ولما عاد الى المدينة وضع نفسه وماله في خدمة الاسلام ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلا نهارا بعد هجرته الى المدينة .

احساس الشهادة

في غزوة أحد ، غمره احساسا رائعا بأنه لن يعود ، فدعا ابنه جابر بن عبدالله وقال له :( اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة  بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين ، واني والله ، لا أدع أحدا بعدي أحب الي منك بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وان علي دينا فاقض عني ديني ، واستوص باخوتك خيرا ) .

أحد والشهادة

وفي غزوة أحد ، دارت معركة قوية بين المسلمين والمشركين ، كاد أن يكون النصر للمسلمين لولا انكشاف ظهرهم ، عندما انشغل الرماة بجمع الغنائم ، ففاجأهم العدو بهجوم خاطف حول النصر الى هزيمة   ولما ذهب المسلمون بعد المعركة ينظرون شهدائهم ، ذهب جابر بن عبدالله يبحث عن أبيه ، حتى وجده شهيدا ، وقد مثل به المشركون ، ووقف جابر وبعض أهله يبكون الشهيد عبدالله بن عمرو بن حرام فمر بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( ابكوه أو لا تبكوه فان الملائكة لتظله بأجنحتها ) وعندما جاء دور عبدالله ليدفن نادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فانهما كانا في الدنيا متحابين ، متصافيين )  

الرسول ينبأ بشغف أبوجابر للشهادة

كان حبه-رضي الله عنه- بل شغفه للموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه ، ولقد أنبأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عنه فيما بعد نبأ عظيم يصور شغفه بالشهادة ، فقال -عليه الصلاة و السلام- لولده جابر يوما :( يا جابر : ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب ، ولقد كلم كفاحا -أي مواجهة-  

 فقال له :" يا عبدي ، سلني أعطيك "  
فقال :( يا رب ، أسألك أن تردني الى الدنيا ، لأقتل في سبيلك ثانية )  
 قال الله له :" انه قد سبق القول مني : أنهم اليها لا يرجعون "  
 قال :( يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة )  

فانزل الله تعالى :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنزن "

 

 

أخبار الحمقى والمغفلين السحر الحلال السيرة النبوية الصفحة الرئيسة
كفاية المتحفظ في اللغة  ألفية ابن مالك ألقاب خالدة  الإعجاز في القرآن
المزهر في علوم اللغة ألغاز أدبية المعلقات السبع  الاعتكاف  تاريخ وحدث  صور من حياة الصحابة
 الخط وقوانين الكتابة شعراء معاصرون ديوان المتنبي  النقد الأدبي مواقع إسلامية نساء حول الرسول
المضاف والمنسوب أوائل فضل القلم كتب ومؤلفين منتديات إسلامية أرقام علماءنا الأجلاء
ِحكم و أمثال أول من نوادر من كان فتاوى في الزكاة

فتاوى في الصيام

المراجع إدارة الموقع أرشيف الجامعة شروط المشاركة غرائب الاتفاق قصص الأنبياء
 

جميع الحقوق محفوظة لإدارة الجامعة ©

 © World Wide Web Aljameah

Abdulla Talmies  ( 0504601752