عبدالله
بن مسعود
هو عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي
وكنيته
أبوعبدالرحمن مات أبوه في الجاهلية وأسلمت أمه وصحبت النبي -صلى الله عليه
وسلم- لذلك كان ينسب الى أمه أحيانا فيقال:ابن أم عبد وأم عبد كنية أمه -رضي
الله عنهما .
أول لقاء مع
الرسول
يقول -رضي الله عنه- عن أول لقاء له مع الرسول
-صلى الله عليه وسلم- :( كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي مُعَيْط ، فجاء
النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكـر فقالا :( يا غلام ، هل عندك من لبن تسقينـا
؟) فقلت :( إني مؤتمـن ولست ساقيكما )
فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم- :( هل
عندك من شاة حائل ، لم يَنْزُ عليها الفحل ؟) قلت :( نعم )
فأتيتهما بها ،
فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا ربه فحفل الضرع ، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة ،
فاحتلب فيها فشرب أبوبكر ، ثم شربت ثم قال للضرع :( اقْلِص )
فقلص ، فأتيت النبي
بعد ذلك فقلت :( علمني من هذا القول ) فقال :( إنك غلام مُعَلّم
)
جهره بالقرآن
لقد كان عبدالله بن مسعود من السابقين في
الاسلام فهو سادس ستة دخلوا في الاسلام
وأول من جهر بالقرآن الكريم عند
الكعبة ، فأمام ساداتها رفع صوته الحلو المثير بقوله تعالى :(الرحمن ، علم القرآن ،
خلق الإنسان ، علمه البيان ) حتى وصل فيها الى ما شاء الله
فضربه كفار قريش حتى
غشي عليه ولما أفاق استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعود لما كان منه
الليلة التالية وقد هاجر هجرةالحبشة وهجرة المدينة
وشهد بدرا والمشاهد مع
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان نحيل الجسم دقيق الساق ولكنه الايمان القوي
بالله الذي يدفع صاحبه الى مكارم الأخلاق وقد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم-
بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان الله من جبل أحد وقد بشره الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بالجنة .
حفظ القرآن
ان ابن مسعود كان من علماء الصحابة -رضي الله
عنهم- وحفظة القرآن الكريم البارعين فيه انتشر علمه وفضله في الآفاق بكثرة أصحابه
والآخذين عنه الذين تتلمذوا على يديه وتربوا وقد كان يقول :( أخذت من فم رسول
الله -صلى الله عليه- سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد ) وقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- (استقرئـوا القرآن من أربعة من عبـدالله بن مسعود وسـالم مولى أبى حذيفة
وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ) كمـا كان يقول :( من أحب أن يسمع القرآن غضاً كما
أُنزل فليسمعه من ابن أم عبد ) أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقرأ عليه
فقال :(اقرأ علي) قال :(يا رسول الله أقرأعليك وعليك أنزل ؟)
فقال -صلى الله
عليه وسلم-:(إني أحب أن أسمعه من غيري) قال ابن مسعود فقرأت عليه من سورة
النسـاء حتى وصلت الى قوله تعالى :( فكيف اذا جئنـا من كل أمة بشهيـد وجئنـا بك على
هـؤلاء شهيـدا) فقال له النبـي -صلـىاللـه عليه وسلـم-
:( حسبـك) قال ابن
مسعود :( فالتفت اليه فاذا عيناه تذرفان ) .
قربه من الرسول
وابن مسعود صاحب نعلى النبي -صلى الله عليه
وسلم- كان يدخلهما في يديه عندما يخلعهما النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو كذلك صاحب
وسادة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومطهرته أجاره الله من الشيطان فليس له سبيل
عليه وابن مسعود صاحب سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يعلمه غيره ،
لذا كان اسمه ( صاحب السَّواد ) حتى قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( لو كنت
مؤمرا أحدا دون شورى المسلمين لأمَّرت ابن أُم عبد ) كما أعطي مالم يعط لغيره حين
قال له الرسول :( إذْنُكَ علي أن ترفع الحجاب ) فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول
الكريم في أي وقت من الليل أو النهار يقول أبو موسى الأشعري :( لقد رأيت النبي
-صلى الله عليه وسلم- وما أرى إلا ابن مسعود من أهله ) .
مكانته عند الصحابة
قال عنه أمير المؤمنين عمر :( لقد مُليء
فِقْهاً ) وقال أبو موسى الأشعري :( لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحَبْرُ فيكم
) ويقول عنه حذيفة :( ما أعرف أحدا أقرب سمتا ولا هديا ودلا بالنبي -صلى الله
عليه وسلم- من ابن أم عبد )
واجتمع نفر من الصحابة عند علي بن أبي طالب
فقالوا له :( يا أمير المؤمنين ، ما رأينا رجلا كان أحسن خُلُقا ولا أرفق تعليما ،
ولا أحسن مُجالسة ولا أشد وَرَعا من عبد الله بن مسعود ) قال علي :( نشدتكم الله
، أهو صدق من قلوبكم ؟) قالوا :
( نعم ) قال :( اللهم إني أُشهدك ، اللهم إني
أقول فيه مثل ما قالوا ، أو أفضل ، لقد قرأ القرآن فأحل حلاله ، وحرم حرامه
فقيه
في الدين عالم بالسنة ) .
ورعه
كان أشد ما يخشاه ابن مسعود -رضي الله عنه- هو
أن يحدث بشيء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيغير شيئا أو حرفا
يقول عمرو بن
ميمون :( اختلفت الى عبد الله بن مسعود سنة ، ما سمعته يحدث فيها عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ، إلا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه : قال رسول الله ،
فعلاه الكـرب حتى رأيت العـرق يتحدر عن جبهتـه ، ثم قال مستدركا : قريبا من هذا قال
الرسـول ) ويقول علقمـة بن قيـس :( كان عبد الله بن مسعود يقوم عشية كل خميس
متحدثا ، فما سمعته في عشية منها يقول : قال رسول الله غير مرة واحدة ، فنظرت إليه
وهو معتمد على عصا ، فإذا عصاه ترتجف وتتزعزع ) .
حكمته
كان يملك عبدالله بن مسعود قدرة كبيرة على
التعبير والنظر بعمق للأمور فهو يقول عما نسميه نِسبية الزمان :( إن ربكم ليس عنده
ليل ولا نهار ، نور السموات والأرض من نور وجهه ) كما يقول عن العمل :( إني لأمقت
الرجل إذ أراه فارغا ، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة )
ومن كلماته
الجامعة : ( خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، وشر العمى عمى القلب ، وأعظم
الخطايا الكذب ، وشر المكاسب الربا ، وشر المأكل مال اليتيم ، ومن يعف يعف الله عنه
، ومن يغفر يغفر الله له)
أمنيته
يقول ابن مسعود :( قمت من جوف الليل وأنا مع
الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر
فاتبعتها أنظر إليها ، فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر ، وإذا عبد الله ذو البجادين
المزني قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفرته
وأبو بكر وعمر يدلِّيَانه إليه ، والرسول يقول : أدنيا إلي أخاكما
فدلياه إليه ،
فلما هيأه للحده قال : اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه
فيا ليتني كنت صاحب
هذه الحفرة .
أهل الكوفة
ولاه أمير المؤمنين عمر بيت مال المسلمين
بالكوفة ، وقال لأهلها حين أرسله إليهم :( إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم
به على نفسي ، فخذوا منه وتعلموا ) ولقد أحبه أهل الكوفة حبا لم يظفر بمثله أحد
قبله حتى قالوا له حين أراد الخليفة عثمان بن عفان عزله عن الكوفة :( أقم معنا
ولا تخرج ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه منه ) ولكنه أجاب :
( إن له علي الطاعة
، وإنها ستكون أمور وفتن ، ولا أحب أن أكون أول من يفتح أبوابها )
وفاته
وفي أواخر عمره -رضي الله عنه- قدم الى المدينة على
ساكنها أفضل الصلاة و أتم التسليم توفي سنة اثنتين و
ثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان رضي الله عن ابن أم
عبد و أمه صاحبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلهما رفيقيه في الجنة مع
الخالدين .
عتبة
بن غزوان
عتبة بن غزوان هو سابع سبعـة أسلموا وبايعوا
وتحـدوا قريشا ، ولما أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة الى الحبشة خرج
مع إخوانه مهاجرا ولكن عاد مجددا الى مكة ، وصمد مع الرسول الكريم والمسلمين
الى أن سُمِحَ لهم بالهجـرة الى المدينـة فكان من الرماة الأفـذاذ الذين أبلـوا
في سبيـل اللـه بـلاء حسنـا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته
.
فتـح الأبُـلّـة
أرسله أمير المؤمنين الى الأبُلّة ليفتحها
ويطهرها من الفرس ، وقال له عمر وهو يودّعه وجيشه :( انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا
أقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجـم ، وسر على بركة الله ويُمنـه ، ادْعُ إلى الله
من أجابـك ، ومن أبى فالجزيـة ، وإلا فالسيف في غير هوادة ، كابِـد العدو ، واتق
الله ربـك ) ومضى عُتبة على رأس جيشهم الذي لم يكن كبيرا حتى قدِمَ الأبُلّة ،
وكان الفرس يحشدون جيشا من أقوى جيوشهم ، فنظم عتبة جيشه ووقف في المقدمة حاملا
رُمْحَه بيده ، وصاح بالجيش :( الله أكبر ، صدق وعده ) فما هي إلا جولات ميمونة
حتى استسلمت الأبُلّة وتحرر أهلها من جنود الفرس .
البصرة والإمارة
اختطّ عتبة -رضي الله عنه- مكان الأبُلّة
مدينة البصرة ، وعمّرها وبنى مسجدها العظيم ، وأراد العودة الى المدينة هروبا من
الإمارة ، لكن أمره أمير المؤمنين عمر بالبقاء ، فبقي عُتبة يصلي بالناس ويفقههم في
دينهم ، ويحكم بينهم بالعدل زاهدا ورِعا بسيطا ووقف يحارب الترف والسِّرف فقد كان
يخاف الدنيا على نفسه وعلى المسلمين ، وقف خاطبا يوما :( والله لقد رأيتني مع رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- سابع سبعة وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت
أشداقُـنا ، ولقد رزقت يوما بُرْدَة فشققتها نصفين ، أعطيت نصفها سعد بن مالك ولبست
نصفها الآخر ) وحاول المترفون ممن تعودوا على المظاهر المتعالية تغير عتبة وزهده
فكان يجيبهم :( إني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيما ، وعند الله صغيرا )
ولما
شعر بضيق من حوله قال :( غدا ترون الأمراء من بعدي ) .
موسم الحج
وجاء موسم الحج ، فاستخلف عتبة على البصرة أحد
إخوانه وخرج حاجّاً ، ولمّا قضى حجّه توجه الى المدينة ، وحاول أن يعتذر عن الإمارة
، ولكن لم يرضى عمر أن يعفيه عن الإمارة وبالذات أن عتبة مـن الزاهدين الورعيـن ،
وكان يقـول عمر لولاتـه :( تضعون أماناتكم فوق عنقي ، ثم تتركوني وحدي ؟
لا والله
لا أعفيكم أبداً ) .
وفاته
أطاع عتبة أمير المؤمنين واستقبل راحلته ليركبها راجعا
الى البصرة ، ولكن قبل ركوبها دعا ربه ضارعا ألا يرُدَّه الى البصرة ولا إلى
الإمارة ، واستجيب دعاؤه فبينما هو في طريق عودته أدركه الموت ، وفاضت روحه الى
بارئها .
عثمان
بن عفان
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ،
يجتمع نسبه مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في عبد مناف ، ولد في السنـة
السادسة بعد عام الفيـل ، نشأ في بيت كريم ذي مال وجاه ، وشب على حسن السيرة
والعفة والحياء فكان محبوبا في قومه أثيـرا لديهم .
إسلامه
كان -رضي الله عنه- من السابقين الى الاسلام
اذ أسلم بدعوة من أبي بكر الصديق وتحمل في سبيل ذلك أذى كثيرا وظل ثابتا على عقيدته
، فقد أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً وقال :( أترغب عن ملّـة
آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلّكَ أبداً حتى تدَعَ ما أنت عليه من هذا الديـن
) فقال عثمان :( والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه )
فلما رأى الحكم صلابته في
دينه تركه
فكان عثمان بن عفان ممن صلى الى القبلتين ، و هاجر الهجرتين :
الأولى الى الحبشة والثانية الى المدينة المنورة ، وأحد العشرة المبشرين
بالجنة واختصه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتابة الوحي
.
حياءه
قالت السيدة عائشة : استأذن أبو بكر على رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع على فراش عليه مِرْطٌ لي ، فأذن له وهو على
حاله ، فقضى الله حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عمر ، فأذن له وهو على تلك الحال ،
فقضى الله حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وأصلح عليه ثيابه وقال :( اجمعي عليك ثيابك ) فأذن له ، فقضى الله حاجته ثم
انصرف قالت : فقلت :( يا رسول الله ، لم أرك فزِعْتُ لأبي بكر وعمر كما فزعت
لعثمان !) فقال :( يا عائشة إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك
الحال أن لا يُبَلّغ إليّ حاجته ) وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :(
ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) .
ذو النورين
تزوج عثمان -رضي الله عنه- من رقية بنت رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- فلما توفيـت تزوج أختها أم كلثوم ولذلك سمي (ذي النورين)
، وعندما ماتت أم كلثوم تأسّف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مصاهرته وقال :(
والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوَّجتُكَها يا عثمان ) .
مناقبه
رويَ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحاديث
عدّة في ذِكْر مناقب عثمان منها (
إن عثمان لأول من هاجر الى الله بأهله بعد
لوط) ( إن الله عز وجل أوحى إليّ أن أزوج كريمتي من عثمان )
( من يُبغضُ عثمان
أبغضه الله )
دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ابنته وهي تغسل رأس عثمان
فقال :( يا بنيّة أحْسِني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خُلُقاً )
.
أوائل
كان -رضي الله عنه- أوّل من هاجر الى الحبشة
مع زوجته رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأول من شيَّد المسجد ، وأول
من خطَّ المفصَّل ، وأول من ختم القرآن في ركعة .
بئر رومة
أنفق الكثير من ماله الوفير لخدمة الاسلام
والمسلمين ومن ذلك شرائه لبئر رومة ، فقد كانت هذه البئر لرجل يهودي في المدينة
وكان يبيع ماءها ، فلما هاجر المسلمون الى المدينة تمنى الرسول -صلى الله عليه
وسلم- لو يجد من بين أصحابه من يشتريها ليفيض ماؤها على المسلمين بغير ثمن وله
الجنة ، فسارع عثمان -رضي الله عنه- الى اليهودي فاشتراها منه ووهبها للمسلمين
.
يوم الحديبية
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان الى
قريش يوم الحديبية ، فقد بعثه الى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب ،
وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته ، فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبَان
بن سعيد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى
بلّغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء
قريش ، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به ، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم :( إن شئت أن تطوف بالبيت فطف )
فقال :( ما كنت
لأفعـل حتى يطوف به رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- ) واحتبسته قريش عندها ،
فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل ، فدعا الرسول -صلى الله عليه
وسلم- الناس الى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وفيها ضرب الرسول -صلى
الله عليه وسلم- بشماله على يمينه وقال :( هذه يدُ عثمان )
فقال الناس :( هنيئاً
لعثمان ) .
جيش العسرة
ولما حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على
تجهيز جيش غزوة تبوك الذي سمي بجيش العسرة ، سارع عثمان -رضي الله عنه- بتقديـم
تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا أتم بها الألف فدعا له قائلا :( غفـر اللـه لك يا
عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائـن الى يوم القيامة )
كما قال الرسول -صلى
الله عليه وسلم- :( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) .
الخلافة
لقد كان عثمان بن عفان أحد الستة الذين رشحهم
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لخلافته فقد أوصى بأن يتم اختيار أحد ستة :(علي بن
أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي
وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) في مدة أقصاها ثلاثة أيام من وفاته حرصا على وحدة
المسلميـن ، فتشاور الصحابـة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان -رضي الله عنه-
وبايعـه المسلمون في المسجد بيعة عامة سنة ( 23 هـ ) ، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين
.
انجازاته
استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها
الكثير من الأعمال نَسْخ القرآن الكريم وتوزيعه على الأمصار
توسيع المسجد
الحرام وقد انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ،
ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية .
الفتوحات
فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه-
الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص ، ثم إصطخر الآخرة وفارس الأولى ، ثم خو
وفارس الآخرة ثم طبرستان ودرُبُجرْد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر ثم ساحل
الأردن وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات
البيزنطيين .
الفتنة
في أواخر عهده ومع اتساع الفتوحات الاسلامية
ووجود عناصر حديثة العهد بالاسلام لم تتشرب روح النظام والطاعة ، أراد بعض الحاقدين
على الاسلام وفي مقدمتهم اليهود اثارة الفتنة للنيل من وحدة المسلمين ودولتهم ،
فأخذوا يثيرون الشبهات حول سياسة عثمان -رضي الله عنه- وحرضوا الناس في مصر والكوفة
والبصرة على الثورة ، فانخدع بقولهم بعض من غرر به ، وساروا معهم نحو المدينة
لتنفيذ مخططهم ، وقابلوا الخليفة وطالبوه بالتنازل ، فدعاهم الى الاجتماع بالمسجد
مع كبار الصحابة وغيرهم من أهل المدينة ، وفند مفترياتهم وأجاب على أسئلتهم وعفى
عنهم ، فرجعوا الى بلادهم لكنهم أضمروا شرا وتواعدوا على الحضور ثانية الى المدينة
لتنفيذ مؤامراتهم التي زينها لهم عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل والذي تظاهر
بالاسلام .
استشهاده
وفي شـوال سنة ( 35 ) من الهجرة النبوية ، رجعت الفرقة
التي أتت من مصر وادعوا أن كتابا بقتل زعماء أهل مصر وجدوه مع البريد ، وأنكر عثمان
-رضي الله عنه- الكتاب لكنهم حاصروه في داره ( عشرين أو أربعين يوماً ) ومنعوه من
الصلاة بالمسجد بل ومن الماء ، ولما رأى بعض الصحابة ذلك استعـدوا لقتالهم وردهم
لكن الخليفة منعهم اذ لم يرد أن تسيل من أجله قطرة دم لمسلم ، ولكن المتآمريـن
اقتحموا داره من الخلف ( من دار أبي حَزْم الأنصاري ) وهجموا عليه وهو يقـرأ
القـرآن وأكبت عليه زوجـه نائلـة لتحميه بنفسها لكنهم ضربوها بالسيف فقطعت أصابعها
، وتمكنوا منه -رضي الله عنه- فسال دمه على المصحف ومات شهيدا في صبيحة عيد الأضحى
سنة ( 35 هـ ) ، ودفن بالبقيع وكان مقتله بداية الفتنة
بين المسلمين الى يومنا هذا .
عثمان
بن مظعون
عثمان بن مظعون من أوائل المسلمين وأغلب الظن
الرابع عشر ترتيبا وناله ما ينال المسلمين من أذى المشركين وصبر ، وكان أمير
المهاجرين الأوائل الى الحبشة مصطحبا ابنه السائب معه ، وكان أول المهاجرين
وفاة بالمدينة ، وأولهم دفنا بالبقيع .
جوار الله
بلغ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين
خرجوا الى الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا ، فغادروا الحبشة عائدين ، ولكن حين دنو من
مكة علموا بأن هذا النبأ خاطيء ، فلم يدخل أحد منهم الى مكة إلا بجوار أو مستخفيا
وكانوا ثلاثة وثلاثون منهم عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة
ولكن لما رأى -رضي الله عنه- ما فيه أصحـاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من
البلاء وهو يغـدو ويروح في أمـان من الوليد بن المغيرة قال :( والله إن غدوي ورواحي
آمنا بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني
لنقص كبير في نفسي ) فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له :( يا أبا عبد شمس ،
وَفَت ذمتك ، قد رددت إليك جوارك ) فقال له :( يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي
) قال :( لا ، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره )
فقال :( فانطلق الى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية )
فانطلقا حتى أتيا
المسجد فقال الوليد :( هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري )
قال عثمان :( صدق قد
وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره
)
ثم انصرف عثمان ، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشـدهم ، فجلس معهم
عثمان ، فقل لبيـد :( ألا كل شيء ما خلا الله باطـل ) قال عثمان :( صدقت )
قال
لبيد :( وكل نعيم لا محالة زائل ) قال عثمان :( كذبت ، نعيم الجنة لا يزول
) قال لبيد :( يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم
؟) فقال رجل من القوم :( إن هذا سفيه من سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في
نفسك من قوله ) فرد عثمان عليه حتى شري أمرهم ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه
فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان ، فقال :( أما والله يا ابن
أخي ، إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة )
فقال عثمان :( بل
والله إن عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو
أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ) فقال الوليد :( هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد الى
جوارك ) فقال عثمان : ( لا )
الراهب
الجليل
وهاجر عثمان بن مظعـون الى المدينة مع الرسـول
-صلى الله عليه وسلم- والمسلميـن ، وظهرت حقيقته الطاهرة ، فهو راهـب الليل والنهار
وفارسهمـا معا ، تفرغ للعبادة وانقطع عن مناعم الحياة فلا يلبس إلا الخشـن ولا يأكل
إلا الطعام الجشِب ، فقد دخل يوما المسجد ، وكان يرتدي لباسا تمزق ، فرقعه بقطعة من
فروة ، فرق له قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودمعت عيون الصحابة فقال لهم الرسول
-صلى الله عليه وسلم- :( كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حُلّة ، ويروح في أخرى ، وتوضع
بين يديه قصعة وترفع أخرى ، وسَتَرتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟)
قال الأصحاب :(
وَدِدْنا أن ذلك يكون يا رسول الله ، فنُصيب الرخاء والعيش )
فأجابهم الرسول
الكريم :( إن ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير منكم يومئـذ ) وحين سمع ابـن مظعـون
ذلك زاد هربا من النعيم ، بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى لولا أن علم
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك فناداه وقال له :( إن لأهلك عليك حقا )
.
وفاته
وحين كانت روحه تتأهب للقاء ربها وليكون
صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى جانبه
يقبل جبينه ويعطره بدموعه وودعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( رحمك الله
أبا السائب ، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك )
ولم ينسه الرسول -صلى
الله عليه وسلم- بعد ذلك أبدا حتى حين ودع ابنته رقية حين فاضت روحها قال لها :(
الحقي بسلفنا الخيِّر ، عثمان بن مظعون ) .