صور من حياة الصحابة
ص 23
عمران بن حصين عمر بن الخطاب عمار بن ياسر علي بن أبي طالب

علي بن أبي طالب

هو ابـن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولد قبل البعثة النبوية بعشـر سنين وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من الصبيان ، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي -صلى الله عليه وسلم-  ووالد الحسن والحسين سيدي شباب الجنة .

الرسول يضمه إليه

كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين ، فقد أصابت قريشاً أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال الرسول الكريم للعباس عمه : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمـة ، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من عياله ، آخذ من بنيـه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه ) فقال العباس :( نعم ) فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له :( إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ) فقال لهما أبو طالب :( إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ) فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- علياً فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه ، فلم يزل علي مع رسول الله حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً ، فاتبعه علي -رضي الله عنه- وآمن به وصدقه ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا حضرت الصلاة خرج الى شعاب مكة ، وخرج علي معه مستخفياً من أبيه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات معا ، فإذا أمسيا رجعا .

منزلته من الرسول

لمّا آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه قال لعلي :( أنت أخي )  وكان يكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وشهد الغزوات كلها ما عدا غزوة تبوك حيث استخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أهله وقال له :( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى )  
وكان مثالا في الشجاعة و الفروسية ما بارز أحد الا صرعه ، وكان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :( من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزوجته فاطمة وابنيه ( الحسن والحسين ) وجلَّلهم بكساء وقال :( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرْهُم تطهيراً ) وذلك عندما نزلت الآية الكريمة  

قال تعالى :( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البيت )

ليلة الهجرة

في ليلة الهجرة ، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن يقتلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فراشه ، فأتى جبريل -عليه السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ) فلما كانت عتمة من الليل اجتمع المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي :( نم على فراشي ، وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم ) ونام علي -رضي الله عنه- تلك الليلة بفراش رسول الله ، واستطاع الرسول -صلى الله عليه سلم- من الخروج من الدار ومن مكة ، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش الرسول الكريم وأقام علي -كرّم الله وجهه- بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله في قباء .

يوم خيبر

في غزوة خيبـر قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- :( لأُعْطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه ، أو على يديه ) فكان رضي الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه .

خلافته

لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة ، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى .

ذهبت السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ، ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة ، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين ، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين ،وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ، غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا اليها مع أتباعهم .

معركة الجمل

خرج الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على أمل أن يدرك السيدة عائشة -رضي الله عنها- ، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة ، ولكنه لم يلحق بهم ، فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36 هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة -رضي الله عنها- خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات الخليفة ، وقد أحسن علي -رضي الله عنه- استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة ، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق ، واستقر بها ، وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية .

مواجهة معاوية

قرر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ( بعد توليه الخلافة ) عزل معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة ، وطالب بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم ، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ، وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا   فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ، وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء (1 صفر عام 37 هجري ) .

وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده ، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على وقف القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق آخر   وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام ، وأبو موسى الأشعري عن علي وأهل العراق ، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ، وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية  .

الخوارج

أعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي الله عنه- على قبوله ، وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج ، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر ألفا ، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة (النهروان) عام 38 هجري ، وقضى على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب   وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية  .

استشهاده

لم يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة ، ظنا منهم أن ذلك يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين على خليفة جديد ترتضيه كل الأمة ، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، ونجح عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به ، اذ تمكن من طعن علي -رضي الله عنه- بالسيف وهو خارج لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام أربعين هجرية بينما أخفق الآخران ، وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا :( ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ، ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب المعتدين ) وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم :( لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر )  واختلف في مكان قبره وباستشهاده -رضي الله عنه- انتهى عهد الخلفاء الراشدين .

عمار بن ياسر

خرج والد عمار بن ياسر من بلده اليمن يريد أخا له ، يبحث عنه ، وفي مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة ، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه ( سمية بنت خياط ) ورزقا بابنهما ( عمار ) ، وكان إسلامهم مبكرا .

العذاب

وشأن الأبرار المُبَكّرين أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها ، ووُكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم ، يخرجون بهم جميعا ياسر و سمية وعمار كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم الى أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم ، وذات يوم ناداه عمار :( يا رسول الله ، لقد بلغ منا العذاب كُلَّ مبلغ ) فناداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( صبرا أبا اليَقْظان ، صبرا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة )  
ولقد وصـف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به  فيقول عمـرو بن ميمون :( أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمر به ، ويُمر يده على رأسه ويقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم ) و يقول عمرو بن الحكم :( كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول ) وقد فقد وعيه يوما فقالوا له :( اذكر آلهتنا بخير ) وأخذوا يقولون له وهو يردد وراءهم من غيـر شعور وبعد أن أفاق من غيبوبتـه وتذكر ما كان طار صوابـه ، فألفاه الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يبكي فجعل يمسح دموعه بيده ويقول له :( أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت : كذا وكذا ؟) أجاب عمار وهو ينتحب :( نعم يا رسول الله ) فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يبتسم :( إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا ) ثم تلا عليه الآية الكريمة

قال تعالى :( إلا من أُكرِه وقلبه مطمئنٌ بالإيمان )  

واسترد عمار سكينة نفسه ، وصمد أمام المشركين  

حب الرسول لعمّار

استقر المسلمون بعد الهجرة في المدينة ، وأخذ عمار مكانه عاليا بين المسلمين ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحبه حبا عظيما ، يقول عنه -صلى الله عليه وسلم- ( إن عمّارا مُلِىء إيمانا إلى مُشاشه -تحت عظامه- ) وحين كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة إثر نزولهم ، إرتجز علي بن أبي طالب أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه ،وأخذ عمار يرددها ويرفع صوته ،وظن بعض أصحابه أن عمارا يعرض به ، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( ما لهم ولعمّار ؟ يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار ، إن عمّارا جِلْدَة ما بين عيني وأنفي ) وحين وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وعمّار قال الرسول :( من عادى عمّارا عاداه الله ، ومن أبغض عمّارا أبغضه الله ) فسارع خالد إلى عمار معتذرا وطامعا بالصفح .

إيمانه

لقد بلغ عمار في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُزَكي إيمانه فيقول :( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عَمّار )  كما أن حذيفة بن اليمان وهو يعالج سكرات الموت سأله أصحابه :( بمن تأمرنا إذا اختلف الناس ) فأجابهم :( عليكم بابن سمية ، فإنه لا يفارق الحق حتى يموت ) .

نبوءة الرسول

أثناء بناء مسجد الرسـول -صلى الله عليه وسلم- أخذ الحنان الرسـول الكريـم الى عمار ، فاقترب منه ونفض بيده الغُبار الذي كسـى رأسه ، وتأمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجه عمار الوديع المؤمن ثم قال على ملأ من أصحابه :( وَيْحَ ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية ) وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات ، فيذهب الى الرسول ينعاه ، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطُمأنينة وثقة :( ما مات عمار ، تقتل عماراَ الفئة الباغية ) .

يوم اليمامة

بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واصل عمار تألقه في مواجهة جيوش الردة والفرس والروم ، وكان دوما في الصفوف الأولى ، وفي يوم اليمامة انطلق البطل في استبسـال عاصف ، وإذا يرى فتـور المسلمين يرسل بين صفوفـهم صياحه المزلزل فيندفعون كالسهام ، يقول عبـد الله بن عمـر :( رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخـرة ، وقد أشرف يصيح :( يا معشر المسلمين أمِـن الجنة تفـرّون ؟ أنا عمار بن ياسر هلُمّـوا إلي) فنظرت إليه فإذا أذنه مقطوعة تتأرجح ، وهو يقاتل أشد القتال ) .  

ولاية الكوفة

لفضائله -رضي الله عنه- سارع عمر بن الخطاب واختاره والياً للكوفة وجعل ابن مسعود معه على بيت المال ، وكتب الى أهلها مبشرا :( إني أبعث إليكم عمَّار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود مُعَلما ووزيرا ، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ومن أهل بدر ) يقول ابن أبي الهُذَيْل وهو من معاصري عمار في الكوفـة :( رأيت عمار بن ياسر وهو أميـر الكوفة يشتري من قِثائها ، ثم يربطها بحبـل ويحملها فوق ظهـره ويمضي بها الى داره ) كما ناداه أحد العامة يوما :( يا أجدع الأذن ) فيجيبه الأمير :( خَيْر أذنيّ سببت ، لقد أصيبت في سبيل الله ) .

عمار والفتنة

وجاءت الفتنة ووقع الخلاف بين علي -كرم الله وجهه- ومعاوية ، فوقف عمار الى جانب علي بن أبي طالب مُذعنا للحق وحافظا للعهد ، وفي يوم صِفِّين عام 37 هجري خرج عمار مع علي بن أبي طالب وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما ، وقال للناس :( أيها الناس سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرن لعثمان ، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره ، ولكنهم ذاقوا الدنيا ، واستمرءوها وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم ودنياهم ، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم ولا الولاية عليهم ، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق ، وإنهم ليخدعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان ، وما يريدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا ) ثم أخذ الرايـة بيده ورفعهـا عاليا وصـاح في الناس :( والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهأنذا أقاتل بها اليوم ، والذي نفسي بيده لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هَجَر ، لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل ) .

تحقق نبوءة الرسول

كان عمار بن ياسر وهو يجول في المعركة يؤمن أنه واحد من شهدائها ، وكانت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمام عينيه :( تقتل عماراَ الفئة الباغية ) من أجل هذا كان يغرد قائلا :( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه ) ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمَّارا ما استطاعوا ، حتى لا تقتله سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية ، ولكن شجاعة عمار ابن الثالث والتسعين وقتاله كجيش لوحده أفقدهم صوابهم حتى إذا تمكنوا منه أصابوه ، وانتشر الخبر ، وتذكر الناس نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فزادت فريق علي بن أبي طالب إيمانا بأنهم على الحق ، وحدثت بلبلة في صفوف معاوية ، وتهيأ الكثير منهم للتمرد والإنضمام الى علي ، فخرج معاوية خاطبا فيهم :( إنما قتله الذين خرجوا به من داره ، وجاءوا به الى القتال ) وانخدع الناس واستأنفت المعركة .

الشهيد

حمل الإمام علي عماراً فوق صدره الى حيث صلى عليه والمسلمـون معه ، ثم دفنه في ثيابه ، ووقف المسلمون على قبـره يعجبون ، فقبل قليـل كان يغـرد :( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه ) وتذكروا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( اشتاقت الجنة لعمّار ) .

عمر بن الخطاب

الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين .

اسلامه

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة :( دلوني على محمد ) وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح :( يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )  
ومضى عمر الى مصيره العظيم ففي دار الأرقم خرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب ) فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )  
وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك ) وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل  .

مناقبه

هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه )  كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )  
وكان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط الا سلك فجا غير فجك )  
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه .

عمر في الأحاديث النبوية

رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ( الحق بعدي مع عمـر حيث كان ) ( لو كان بعدي نبيّ لكان عمـر بن الخطاب ) ( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه ) ( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر)  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال ، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)  
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب ) قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟)  قال :( العلم )  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه ) قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله ؟) قال :( الدين )

خلافة عمر

رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله )  وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ) ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ ) .

انجازاته

استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)  
فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها  
وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-  
وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة .

الفتوحات الإسلامية

لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )  .

هَيْـبَتِـه و تواضعه

وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة .

استشهاده

كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة  ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة .

عمران بن حصين

أسلم عِمْران بن حصين في عام خَيْبر ، ومنذ وضع يمينه بيمين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصبحت يده اليمين موضع تكريم كبير ، فآلى على نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيب وكريم .

إيمانه

إيمان عمران بن حصين صورة من صور الصدق والزهد والورع والتفاني وحب الله وطاعته ، ومع هذا فهو يبكي و يقول :( يا ليتني كنت رمادا ، تذْروه الرياح ) ذلك أن هؤلاء الرجال كانوا يخافون الله لإدراكهم لعظمته وجلاله ، ولإدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته ، ولقد سأل الصحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوما فقالوا :( يا رسول الله ، ما لنا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا ، وزهدنا دنيانا ، وكأننا نرى الآخرة رأي العين ، حتى إذا خرجنا من عندك ، ولقينا أهلنا وأولادنا ودنيانا أنكرنا أنفسنا ؟) فأجابهم عليه السلام :( والذي نفسي بيده ، لو تدومون على حالكم عندي ، لصافحتكم الملائكة عِياناً ، ولكن ساعة وساعة ) وسمع عمران هذا الحديث وأبى أن يعيش حياته ساعة وساعة وإنما ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتُّل لله رب العالمين .

البصرة

في خلافة عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم ، وفي البصرة حطّ الرحال ، وأقبل عليه أهلها مُذ عرفوه يتبركون به ويستضيئـون بتقواه ، قال الحسن البصـري وابن سيرين :( ما قدم البصـرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد يَفضـل عمران بن حصين ) فقد كان عمران يرفض أن يشغله عن العبادة شاغل ، فاستغرق في العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا وإنما ملك يحيا مع الملائكة يحادثهم ويحادثونه ، ويصافحهم ويصافحونه .

الفتنة

لما وقع النزاع الكبير بين علي بن أبي طالب ومعاوية ، وقف عمران بن حصين موقف الحياد ، ورفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الإشتراك في تلك الحروب ويقول :( لأن أرْعى أعنزا حَضنيّات في رأس جبل حتى يدركني الموت ، أحب إليَّ من أن أرمي في أحدِ الفريقين بسهم ، أخطأ أم أصاب ) كما كان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا :( الْزم مسجدك ، فإن دُخِلَ عليك فالزم بيتك ، فإن دَخَل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتِلْه ) .

مرضه ووفاته

حقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما ، ما ضَجِر منه ولا قال أُفّ ، بل كان مثابرا على عبادته ، وإذا هوّن عليه عواده أمر علته بكلمات مشجعة ابتسم لهم وقال :( إن أحب الأشياء الى نفسي ، أحبها الى الله ) وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت :( إذا رجعتم من دفني ، فانحروا وأطعموا ) أجل فموت مؤمن مثل عمران بن الحصين هو حفل زفاف عظيم ، تزفّ فيه روح عالية راضية الى جنة عرضها السموات والأرض  .

 

 

أخبار الحمقى والمغفلين السحر الحلال السيرة النبوية الصفحة الرئيسة
كفاية المتحفظ في اللغة  ألفية ابن مالك ألقاب خالدة  الإعجاز في القرآن
المزهر في علوم اللغة ألغاز أدبية المعلقات السبع  الاعتكاف  تاريخ وحدث  صور من حياة الصحابة
 الخط وقوانين الكتابة شعراء معاصرون ديوان المتنبي  النقد الأدبي مواقع إسلامية نساء حول الرسول
المضاف والمنسوب أوائل فضل القلم كتب ومؤلفين منتديات إسلامية أرقام علماءنا الأجلاء
ِحكم و أمثال أول من نوادر من كان فتاوى في الزكاة

فتاوى في الصيام

المراجع إدارة الموقع أرشيف الجامعة شروط المشاركة غرائب الاتفاق قصص الأنبياء
 

جميع الحقوق محفوظة لإدارة الجامعة ©

 © World Wide Web Aljameah

Abdulla Talmies  ( 0504601752