عمير
بن سعد
عمير بن سعد أبوه سعد القارئ -رضي الله عنه-
شهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-حتى استشهد في معركة القادسية
، اصطحب ابنه عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فبايع النبي وأسلم ، ومنذ
ذلك الوقـت وعمير عابد مقيم في محـراب الله ، ودائما في الصفوف الأولى للمسلمين
، وكان المسلمون يلقبونه ( بنسيج وحده ) .
قوة إيمانه
لقد كان له -رضي الله عنه-في قلوب الأصحاب
مكانا وَوُداً فكان قرة أعينهم ، كما أن قوة إيمانه وصفاء سنه وعبير خصاله كان
يجعله فرحة لكل من يجالسه ، ولم يكن يؤثر على دينه أحد ولا شيئا ، فقد سمع قريبا له
( جُلاس بن سويد بن الصامت ) يقول :( لئن كان الرجل صادقا ، لنحن شرٌّ من الحُمُر
!) وكان يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وكان جُلاس دخل الإسلام رَهَبا ،
سمع عمير بن سعد هذه العبارة فاغتاظ و احتار ، الغيظ أتى من واحد يزعم أنه من
المسلمين ويقول ذلك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-بلهجة رديئة ، والحيرة أتت من
مسئوليته تجاه هذا الذي سمع وأنكر ، أينقل ما سمع للرسول ؟
كيف والمجالس بالأمانة
؟ أيسكت عما سمع ؟ ولكن حيرته لم تطل ، وعلى الفور تصرف عمير كرجل قوي وكمؤمن
تقي ، فقال لجُلاس :( والله يا جُلاس إنك لمن أحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي يدا ،
واعَزهم عليّ أن يُصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت الآن مقالة لو أذَعْتها عنك لآذتك ،
ولو صمَتّ عليها ليهلكن ديني وإن حق الدين لأولى بالوفاء ، وإني مُبلغ رسول الله ما
قلت ) وهكذا أدى عمير لأمانة المجالس حقها ، وأدى لدينه حقه ، كما أعطى لجُلاس
الفرصة للرجوع الى الحق بيد أن جُلاس أخذته العزة بالإثم ، وغادر عمير المجلس وهو
يقول :( لأبلغن رسول الله قبل أن ينزل وحي يُشركني في إثمك )
وبعث الرسول -صلى
الله عليه وسلم- في طلب جُلاس فأنكر وحلف بالله كاذبا ، فنزلت آية تفصل بين الحق
والباطل .
قال تعالى :( يحلفون بالله ما قالوا ، ولقد
قالوا كلمة الكفر ، وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا ، وما نقموا إلا أن
أغناهم الله ورسوله من فضله ، فإن يتوبوا يَكُ خيرا له ، وإن يتولّوْا يعذبهم الله
عذابا أليما في الدنيا والآخرة ، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير )
فاعترف جُلاس بمقاله واعتذر عن خطيئته ، وأخذ النبي بأُذُن
عمير وقال له :( يا غُلام ، وَفَت أذُنك ، وصَدّقت ربّك )
الولاية
اختار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عمير
واليا على حمص ، وحاول أن يعتذر عمير ولكن ألزمه أمير المؤمنين بذلك ، فاستخار عمير
ربه ومضى الى واجبه ، وفي حمص مضى عليه عام كامل ، لم يصل الى المدينة منه خراج بل
ولم يَبْلُغ أمير المؤمنين منه كتاب ، فبعث عمر الى عمير -رضي الله عنهما- ليأتيه
الى المدينة ،فأتى الى المدينة أشعث أغبر يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعا من طول
مالاقى من عناء ، على كتفه اليمنى جراب وقَصْعة ، وعلى كتفه اليسرى قِرْبة صغيرة
فيها ماء ، وإنه ليتوكأ على عصا ، لا يئودها حمله الضامر الوهنان000
ودخل عمير
على مجلس عمر وقال :( السلام عليك يا أمير المؤمنين ) ويرد عمر السلام ثم يسأله
وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء :( ما شأنك يا عمير ؟)
فقال :( شأني ما ترى ،
ألست تراني صحيح البدن ، طاهر الدم ، معي الدنيا أجُرُّها بقَرْنيها ؟)
قال عمر
:( وما معك ؟) قال عمير :( معي جرابي أحمل فيه زادي ، وقَصْعَتي آكل فيها ،
وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدوّا إن عَرَض
فوالله ما الدنيا إلا تَبعٌ لمتاعي !) قال عمر :( أجئت ماشيا ؟)
قال عمير :(
نعم ) قال عمر :( أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟)
قال عمير :( إنهم لم
يفعلوا ، وإني لم أسألهم ) قال عمر :( فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟)
قال
عمير :( أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صُلَحَاء أهله ، وولّيتهم جِباية
فَيْـئهـم وأموالهم ، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها ، ولو بقـي لك منها شيء
لأتيتـك به ) فقال عمر :(فما جئتنا بشيء ؟)
قال عميـر :( لا ) فصاح عمر وهو
سعيد :( جدِّدوا لعمير عهدا ) وأجابه عمير :( تلك أيام قد خلت ، لا عَمِلتُ لك
ولا لأحد بعدك )
فضله
وبقي عمر بن الخطاب يتمنى ويقول :( وَدِدْتُ لو أن لي
رجالا مثل عُمير أستعين بهم على أعمال المسلمين ) فقد
كان عمير بحق ( نسيج وحده ) ، فقد كان يقول من فوق المنبر في حمص :( ألا إن الإسلام
حائـط منيع ، وباب وثيـق ، فحائط الإسـلام العدل ، وبابه الحق ، فإذا نُقِـضَ
الحائط وحُطّـم الباب استُفْتِـح الإسـلام ، ولا يزال الإسـلام منيعا ما اشتد
السلطان ، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط ، ولكن قضاء بالحـق ،
وأخذاً بالعـدل ) .
عمير
بن وهب
عمير بن وهب الجُمَحي كان يلقبه أهل مكة
بشيطان قريش ، وبعد إسلامه أصبح حواريّ باسل من حواريِّ الإسلام ولاءه الدائم
للرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين .
يوم بدر
وفي يوم بدر كان واحدا من قادة المشركين الذين
حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام ، كان حديد البصر محكم التقدير ، ندبه فومه
ليستطلع لهم عدد المسلميـن ، وإذا كان من ورائهم كميـن أو مـدد ، فعاد من معسكـر
المسلميـن قائلا لقومه :( إنهم ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون )
وسألوه
:( هل وراءهم أمداد لهم ) فقال :( لم أجد وراءهم شيئا ، ولكن يا معشر قريش رأيت
المطايا تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجـأ إلا سيوفهم ، والله ما
أرى أن يقتل رجـل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم ، فما خير
العيش بعد ذلك ؟ فانظروا رأيكم )
وتأثر الرجال بقوله وكادوا يعودون الى مكة ،
لولا أبو جهل الذي أضرم نار الحقد في نفوسهم فكان هو أول قتلاها
وعادت قريش
مهزومة ، كما خلّف عمير وراءه ابنه في الأسر .
المؤامرة
وذات يوم جلس عمير بن وهب مع ابن عمه صفوان بن
أمية ، وكان حقد صفوان على المسلمين كبيرا فقد قتل أباه أمية بن خلف في بدر ،فقال
صفوان وهو يتذكر قتلى بدر :( والله ما في العيش بعدهم خير )
فقال له عمير :( صدقت
، ووالله لولا دَيْن عليّ لا أملك قضاءه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى
محمد حتى أقتله ، فإن لي عنده عِلّة أعتَلّ بها عليه : أقول قدمت من أجل ابني هذا
الأسير ) فاغتنمها صفوان وقال :( عليّ دَيْنك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالُك مع عيالي
أواسيهم ما بقوا ) فقال له عمير :( إذن فاكتم شأني وشأنك )
ثم أمر عمير بسيفه
فشُحذ له وسُمَّ ، ثم انطلق حتى قدم المدينة .
قدوم المدينة
وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين
يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد
أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه ، فقال :( هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب
، والله ما جاء إلا لشر ، فهو الذي حرّش بيننا وحَزَرنا للقوم يوم بدر )
ثم دخل
عمر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب
قد جاء مُتَوشحا سيفه ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أدخله علي )
فأقبل
عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عُنُقه ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار :(
ادخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا
الخبيث ، فإنه غير مأمون ) .
إسلامه
ودخل به عمر على النبي -صلى الله عليه وسلم-
وهو آخذ بحمالة سيفه في عُنقه ، فلما رآه الرسول قال :( دعه يا عمر ، ادْنُ يا عمير
) فدنا عمير وقال :( انعموا صباحا )
وهي تحية الجاهلية فقال له الرسول -صلى
الله عليه وسلم- :( قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل
الجنة ) فقال عمير :( أما والله يا محمد إن كُنتُ بها لَحديث عهد )
قال الرسول
:( فما جاء بك يا عمير ؟) قال :( جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم )
قال النبي
:( فما بال السيف في عُنُقك ؟) قال عمير :( قبَّحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنّا
شيئا ؟!) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أصدقني يا عمير ، ما الذي جئت له
؟) قال :( ما جئت إلا لذلك ) قال الرسول الكريم :( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية
في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت لولا دَيْن علي وعيال عندي لخرجت
حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، والله حائل بينك
وبين ذلك ) وعندئذ صاح عمير :( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ،
هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله ما أنبأك به إلا الله ، فالحمد لله الذي
هداني للإسلام ) فقال الرسول لأصحابه :( فَقِّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن
، وأطلقوا له أسيره ) .
النبأ
المنتظر
ومنذ غادر عمير بن وهب مكة الى المدينة راح
صفوان ينتظر وهو فرحا مختالا ، وكلما سئل عن سبب فرحه يقول :( أبشروا بوقعة يأتيكم
نبأها بعد أيام تُنسيكم بدر ) وكان يخرج كل صباح الى مشارف مكة ويسأل القوافل
والركبان :( ألم يحدث بالمدينة أمر ؟) حتى لقي مسافر أجابه :( بلى حدث أمر عظيم
) وتهلَّلت أسارير صفوان وعاد يسأل الرجل :( ماذا حدث اقصص علي ؟)
فأجابه الرجل
:( لقد أسلم عمير بن وهب ، وهو هناك يتفقه في الدين ويتعلم القرآن )
ودارت الأرض
بصفوان وأصبح حُطاما بهذا النبأ العظيم .
العودة الى مكة
أقبل عمير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ذات يوم وقال :( يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن
كان على دين الله عز وجل ، وإني لأحب أن تأذن لي فأقدُم مكة فأدعوهم الى الله تعالى
، والى رسوله والى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي
أصحابك في دينهم ) وبالفعل عاد عمير -رضي الله عنه- الى مكة وأول من لقيه كان
صفوان بن أمية ، وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته ، ولكن السيف المتحفز في يد عمير
ردَّه الى صوابه ، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ومضى في سبيله ، ودخل
عمير مكة مسلما في روعة صورة عمر بن الخطاب يوم إسلامه ، وهكذا راح يعوض ما فاته ،
فيبشر بالإسلام ليلا نهارا ، علانية وجهرا ، يدعو الى العدل والإحسان والخير ، وفي
يمينه سيفه يُرهب به قطاع الطرق الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به ، وفي بضعة
أسابيع كان عدد الذين أسلموا على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير ، وخرج بهم عمير -رضي
الله عنه- الى المدينة بموكب مُهلل مُكبر .
فتح مكة
وفي يوم الفتح العظيم ، لم ينس عمير صاحبه
وقريبه صفوان ، فراح إليه يُناشده الإسلام ويدعوه إليه ، بيد أن صفوان شدّ رحاله
صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن ، فذهب عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال
له :( يا نبي الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في
البحر ، فأمِّـنه صلى الله عليك ) فقال النبي :( هو آمن )
قال :( يا رسول الله
فأعطني آية يعرف بها أمانك ) فأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عمامته التي دخل
فيها مكة
فخرج بها عمير حتى أدرك صفوان فقال :( يا صفوان فِداك أبي وأمي ،
الله الله في نفسك أن تُهلكها ، هذا أمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك
به ) قال له صفوان :( وَيْحَك ، اغْرُب عني فلا تكلمني )
قال :( أيْ صفوان فداك
أبي وأمي ، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضـل الناس وأبـر الناس ، وأحلـم
الناس وخيـر الناس ، عِزَّه عِزَّك ، وشَرَفه شَرَفـك ) قال :( إنـي أخاف على
نفسـي ) قال :( هو أحلم من ذاك وأكرم )
فرجع معه حتى وقف به على رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- فقال صفوان للنبي الكريم :( إن هذا يزعم أنك قـد
أمَّـنْتَنـي ) قال الرسـول -صلى الله عليه وسلم- :( صـدق )
قال صفـوان :(
فاجعلني فيها بالخيار شهريـن ) فقـال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أنت بالخيار
فيه أربعة أشهر ) وفيما بعد أسلم صفوان ، وسَعِدَ عمير بإسلامه أيما
سعادة .
قيس
بن سعد بن عبادة
انه الأنصاري الخزرجي ابن سعد بن عبادة زعيم
الخزرج ، حين أسلم والده أخذ بيده الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلا :(
هذا خادمك يا رسول الله ) رأى الرسول صلى الله عليه وسلم- فيه سمات التفوق
والصلاح ، فأدناه منه حتى أصبح بمكان صاحب الشرطة من الأمير
كما قال أنس -رضي
الله عنه- ، وكان يعامله الأنصار على حداثة سنه كزعيم ويقولون :( لو استطعنا أن
نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا " فلم ينقصه شيء من الزعامة سوى اللحية ،
فقد كان أجرد .
دهاء قيس
لقد كان قيس بن سعد ذكيا ، يعامل الناس بفطنة
، لذا كان أهل المدينة يحسبون لدهائه ألف حساب ، ولكن بعد اسلامه أخذ يعامل الناس
باخلاصه لا دهائه ولم يعد ينسج المناورات القاتلة ، وعندما يتذكر ماضيه يضحك قائلا
:( لولا الاسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب )
جوده وكرمه
وكان الشيء الوحيد الذي يفوق ذكاءه هو كرمه
وجوده ، فهو من بيت جود وكرم ، وكان لأسرته مناد يقف فوق مرتفع لهم ينادي الضيفان
الى طعامهم نهارا ، أو يوقد النار لتهدي الغريب ليلا ، وكان الناس يقولون :( من أحب
الشحم ، واللحم ، فليأت أطم دليم بن حارثة ) ودليم هو الجد الثاني لقيس ، ويقول
أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- :( لو تركنا هذا الفتى لسخائه ، لأهلك مال أبيه
) فلما سمعهما والده سعد صاح قائلا :( من يعذرني من أبي قحافة وابن الخطاب ،
يبخلان علي ابني ) كما كان قيس اذا جاءه من يرد له دينه يقول :( انا لا نعود في
شيء أعطيناه ) .
شجاعته
تألقت شجاعة قيس -رضي الله عنه- في جميع
المشاهد التي صاحب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو حي ، شجاعة نابعة من الصدق
مع النفس والاخلاص للحق ، تألقت حتى بعد رحيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وحين
حدث الخلاف بين علي و معاوية بحث قيس -رضي الله عنه- عن الحق مع نفسه حتى وجده
مصاحبا لعلي -رضي الله عنه- ، فنهض الى جانبه قويا شامخا ، فقد تألق في معارك صفين
، والجمل ، والنهروان ، وكان يحمل لواء الأنصار ويصيح قائلا
هذا اللواء الذي
كنا نحف به مع النبي ، وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته
ألا
يكون له من غيرهم أحد
وقد ولاه علي حكم مصر ، وكانت عين معاوية عليها دوما ،
فأخذ معاوية يدس الحيل عند علي ضد قيس ، حتى استدعاه الأمير ، فادرك قيس بذكائه
حيلة معاوية ضده ، فلم يكترث لعزله من الولاية ، وانما زاد ولاء لعلي -كرم الله
وجهه
وبعد استشهاد علي -رضي الله عنه- بايع قيس الحسن -رضي الله عنه-
مقتنعا بأنه الوارث الشرعي للامامة ، وحينما حملوا السيوف أمام معاوية يقود قيس
خمسة آلاف ممن حلقوا رءوسهم حدادا على علي ، ولكن يؤثر الحسن أن يحقن دماء المسلمين
، فيبايع معاوية -رضي الله عنه- ، وهنا يجد قيس -رضي الله عنه- نفسه أمام جيشه الذي
من حقه الشورى في مبايعة معاوية أو الاستمرار في القتال ، فاختاروا المبايعة
موته
وفي عام تسع وخمسين للهجرة مات الداهية في
المدينة المنورة ، بعد أن روض الاسلام دهاءه ، مات الرجل الذي يقول :( لولا سمعت
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :" المكر والخديعة في النار "
لكنت من أمكر هذه الأمة) .
كعب
بن مالك
قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- يحدث حديثه
حين تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك
تخلفه عن بدر
لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
في غزاة غزاها قط الا غزاة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ، ولم يعاتب أحد
تخلف عنها ، وانما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد عير قريش ، حتى جمع
الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-
ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وان كانت بدر
أذكر في الناس منها وأشهر .
حاله في
تبوك
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في
تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزاة
.
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلما
يريد غزوة يغزوها الا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها الرسول -صلى الله
عليه وسلم- في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عددا كثيرا ، فجلى
للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع الرسول
-صلى الله عليه وسلم- كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ ( الديوان )
قال كعب : فقل رجل
يريد أن يتغيب الا ظن أن ذلك سيخفى عليه ، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل
.
تباطؤه في التجهيز
وغزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك
الغزاة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا والله أصعر (أميل للبقاء) ، فتجهز اليها
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع
ولم أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك ان أردت
فلم يزل ذلك
يتمادى بي حتى استمر بالناس بالجد ، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاديا
والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت : أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه
! فغدوت بعدما فصلوا (خرجوا) لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت
ولم أقض من جهازي شيئا ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (فات وقته)
، فهممت أن ارتحل فألحقهم ، وليت اني فعلت ، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت اذا خرجت في
الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحزنني أني لا أرى الا رجلا مغموصا
(متهما) في النفاق ، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل .
الرسول يسأل عنه
ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :( ما فعل كعب بن مالك ؟!)
فقال رجل
من بني سلمة :( حبسه يا رسول الله براده والنظر في عطفيه )
فقال معاذ بن جبل :(
بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا )
فسكت الرسول -صلى الله
عليه وسلم .
عودة الرسل من
تبوك
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول
:( بماذا أخرج من سخطه غدا ؟!) وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل ان
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أظل قادما زاح عني الباطل ، عرفت أني لم أنج منه
بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه .
صدقه مع
الرسول
فأصبح الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان اذا
قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون
، فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- علانيتهم ، ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم الى الله تعالى ،
حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال لي :( تعال !)
فجئت أمشي حتى
جلست بين يديه ،فقال لي :( ما خلفك ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟!)
فقلت :( يا رسول
الله ، اني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت
جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن
يسخطك علي ، ولئن حدثتك اليوم بحديث تجد علي فيه اني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل
ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك )
قال : فقال
الرسـول -صلى اللـه عليـه وسلم- :( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك )
.
فقمت وقام الي رجال من بني سلمة وأتبعوني
فقالوا لي :( والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت
الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما اعتذر به المتخلفون ، فقد كان كافيك من
ذنبك استغفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك ) قال : فوالله ما زالوا
يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، قال : ثم قلت لهم :( هل لقي هذا معي أحد
؟) قالوا :( نعم ، لقيه معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك
) فقلت :( فمن هما ؟) قالوا :( مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية
الواقفي ) فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة
قال : فمضيت
حين ذكروهما لي
النهي عن
كلامه
قال : ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس ، وتغيروا
لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك
خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد
القوم وأجلدهم : فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد ،
وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم ، وأقول في
نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟! ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فاذا
أقبلت على صلاتي نظر الي فاذا التفت نحوه أعرض عني حتى اذا طال علي ذلك من هجر
المسلمين ، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس الي ، فسلمت
عليه ، فوالله ما رد علي السلام فقلت له :( يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم
أني أحب الله ورسوله ؟) قال : فسكت
قال : فعدت له فنشدته فسكت
فعدت له
فنشدته فسكت فقال :( الله ورسوله أعلم )
قال : ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت
الجدار ، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة اذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام
يبيعه بالمدينة يقول :( من يدل على كعب بن مالك ؟) قال :فطفق الناس يشيرون له الي
، حتى جاء فدفع الي كتابا من ملك غسـان فاذا فيه :( أما بعد ، فقد بلغنا أن صاحبـك
قد جفاك ، وأن اللـه لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعـة ، فالحق بنا نواسك )
قال : فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء قال : فيممت به التنور فسجرته به (أحرقته
فيه) .
الأمر بالاعتزال
حتى اذا ما مضت أربعون ليلة من الخمسين ، اذا
برسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيني يقول :( يأمرك رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أن تعتزل امرأتك ) قال : فقلت :( أطلقها أم ماذا أفعل ؟)
فقال :( بل
اعتزلها ولا تقرنها ) قال : وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك
قال : فلبثنا عشر ليال ،
فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال : ثم صليت صلاةالصبح صباح خمسين
ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا
:قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول
بأعلى صوته :( أبشر يا كعب بن مالك ) قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج
من الله عز وجل بالتوبة علينا فأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوبة الله
علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض الي رجل
فرسا ، وسعى ساع من "أسلم" وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما
جائني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما اياه ببشارته ، والله ما أملك
يومئذ غيرهما .
البشارة والفرج
واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أؤم رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله
يقولون
:( ليهنك توبة الله عليك ) حتى اذا دخلت المسجد ، فاذا رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- جالس في المسجد والناس حوله ، فقام الي طلحة بن عبدالله يهرول حتى صافحني
وهنأنـي ، فلما سلمت على رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قال (وهو يبرق وجهه من
السرور) :( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) قال : قلت :( أمن عندك يا رسول
الله ، أم من عند الله ؟) قال :( لا، من عند الله )
.
قال : وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، حتى يعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت
:( يا رسول الله ، ان من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله والى رسوله)
قال
:( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) قال : فقلت :( فاني أمسك سهمي الذي بخيبر
) وقلت :( يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق ، وان من توبتي ألا أحدث الا
صدقا ما بقيت ) قال :( فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في
الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى ،
ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومي هذا ، واني
لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقى )
وأنزل الله تعالى :( لقد تاب الله على النبي
والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق
منهم ثم تاب عليهم انه بهم رءوف رحيم ، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت
عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب
عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ، يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين ) سورة
التوبة(117-119)