جويرية
بنت الحارث
أم المؤمنين
جُوَيْرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن
جذيمة الخزاعية المصطلقية كان اسمهـا ( برَّة ) فسمّاها الرسول -صلى اللـه عليه
وسلم- ( جويرية ) ولدت فبل البعثـة بنحو ثلاثة أعوام تقريباً ، وتزوجها الرسول
الكريم وهي ابنة عشرين سنة ، وكان أبوها الحارث سيّداً مطاعاً ، قدم على النبي
-صلى الله عليه وسلم- فأسلم .
الأسر
وفي السنة السادسة للهجرة ، وبعد غزوة بني
المصطلق أصاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبياً كثيراً قسّمه بين المسلمين ، وكان
ممن أصاب يومها من السبايا جويرية بنت الحارث ، فلما قسّم السبايا وقعت جويرية في
السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة
حلوة مُلاّحة ، ولا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- تستعينه في كتابتها ، وقالت له :( يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن
أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت
بن قيس بن الشماس ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي )
قال الرسول
-صلى الله عليه وسلم- :( فهل لك في خير من ذلك ؟) قالت :( وما هو يا رسول الله
؟) قال :( أقضي عنك كتابتك وأتزوجك )
قالت :( نعم يا رسول الله ) قال :( لقد
فعلت ) .
العتق
وخرج الخبر الى الناس أن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- قد تزوّج جويرية ، فقال الناس :( أصهار رسول الله )
وأرسلوا ما
بأيديهم ، قالت السيدة عائشة :( فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني
المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها )
والدها الحارث
أقبل الحارث ( والد جويرية ) الى المدينة
بفداء ابنته ، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء ، فرغب في
بعيرين منها ، فغيّبهما في شِعْبٍ من شعاب العقيق ، ثم أتى الى الرسـول -صلى اللـه
عليه وسلـم- وقال :( يا محمـد أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها )
فقال رسـول الله -صلى
الله عليه وسلم- :( فأين البعيران اللذان غَيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا
؟) فقال الحارث :( أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ! فوالله ما اطّلع على
ذلك إلا الله ) فأسلم الحارث ومعه ابنان له ، وناس من قومه ، وأرسل الى البعيرين
فجاء بهما .
بيت النبوة
ولقد عاشت أم المؤمنين ( جويرية ) في بيت رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- كزوجة كريمة مُعزّزة ، فكانت خير مثل يُحتذى في رعايتها
لبيتها وزوجها وحسن عشرتها معه -صلى الله عليه وسلم-
ولقد كانت كثيرة
الإجتهاد بالعبادة لله تعالى ، والإكثار من ذكره المبارك ، والصوم وفعل
الخيرات وكان يحرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تعليمهـا أمور دينها فقد دخل
عليها في يـوم جمعـة وهي صائمـة فقال لها :( أصَمْتِ أمس ؟)
قالت :( لا ) قال
:( أتريديـن أن تصومي غداً ؟) أي السبت مع الجمعة
قالت :( لا ) قال :( فأفطري
) لكراهة ذلك
وفي أحـد الأيام خرج الرسـول -صلى الله عليه وسلم- من عندها
بُكْرَةً حين صلّى الصبـح ، وهي في مسجدها ، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال :(
مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟) قالت :( نعم )
قال النبي -صلى الله عليه
وسلم- :( لقد قُلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مراتً ، لو وزِنَت بما قلتِ منذ اليوم
لوَزَنتهنّ : سبحان الله وبحمده عدَدَ خَلْقِه ورضا نفسه ، وزِنة عرشه ، ومِداد
كلماته )
وفاتها
توفيت -رضي الله عنها- بالمدينة بعد منتصف القرن الأول
من الهجرة سنة ستٍ وخمسين على الأرجح ، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة
آنذاك ، وقد بلغت سبعين سنة فرحمها الله
.
حفصة
بنت عمر
أم المؤمنين
السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضي الله
عنهما- ، ولدت قبل المبعث بخمسة أعـوام ، وتزوّجها النبـي -صلى اللـه عليه
وسلم- سنة ثلاث من الهجرة ، بعد أنتوفي زوجها المهاجر ( خنيـس بن حذافـة
السهمـي ) الذي توفي من آثار جراحة أصابته يوم أحـد ، وكان من السابقين الى
الإسـلام هاجر الى الحبشـة وعاد الى المدينة وشهد بدراً وأحدا
فترمَّلت ولها
عشرون سنة .
الزواج المبارك
تألم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لابنته
الشابة كثيراً ، ولألمها وعزلتها ، وبعد انقضاء عدّتها أخذ يفكر لها بزوج جديد ،
ولمّا مرت الأيام ولم يخطبها أحد قام بعرضها على أبي بكر -رضي الله عنه- فلم
يُجِبّه بشيء ، وعرضها على عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فقال :( بدا لي اليوم ألا
أتزوج ) فوَجَد عليهما وانكسر ، وشكا حاله الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال
له :( يتزوّج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوّج عثمان من هو خير من حفصة )
ومع
أن عمر -رضي الله عنه- من الهمّ لم يفهم معنى كلام الرسـول الكريـم ، إلا أن الرسول
-صلى الله عليه وسلم- خطبها ، ونال عمر شرف مصاهرة النبي -صلى الله عليه وسلم-
وزوَّج النبي عثمان بابنته ( أم كلثوم ) بعد وفاة أختها ( زينب ) ، وبعد أن تمّ
الزواج لقي أبو بكر عمر -رضي الله عنهما- فاعتذر له وقال :( لا تجـدْ عليّ ، فإن
رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- كان قد ذكر حفصة ، فلم أكن لأفشي سِرّه ، ولو
تركها لتزوّجتها ) .
بيت
الزوجية
ودخلت حفصة بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-
ثالثة الزوجات في بيوتاته عليه الصلاة والسلام ، بعد سودة وعائشة ، أما سودة فرحّبت
بها راضية ، وأمّا عائشة فحارت ماذا تصنع بابنة الفاروق عمر ، وسكتت أمام هذا
الزواج المفاجيء ، الذي تقتطع فيه حفصة ثلث أيامها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-
ولكن هذه الغيرة تضاءلت مع قدوم زوجات أخريات ، فلم يسعها إلا أن تصافيها
الودّ ، وتُسرّ حفصة لودّ ضرتها عائشة ، وعندها حذّر عمر بن الخطاب ابنته من هذا
الحلف الداخلي ، ومن مسايرة حفصة لعائشة المدللة ، فقال لها :( يا حفصة ، أين أنت
من عائشة ، وأين أبوكِ من أبيها ؟) .
الجرأة الأدبية
سمع عمر -رضي الله عنه- يوما من زوجته أن حفصة
تراجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالكلام ، فمضى إليها غاضباً ، وزجرها قائلاً :(
تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله ، يا بُنيّة ! لا يغرنّك هذه التي أعجبها
حسنها وحبُّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إياها ، والله لقد علمت أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- لولا أنا لطلّقك )
ولكن على الرغم من تحذير أبيها لها ،
كانت تتمتع حفصة بجرأة أدبية كبيرة ، فقد كانت كاتبة ذات فصاحة وبلاغة ، ولعل هذا
ما يجعلها تبدي رأيها ولو بين يدي الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- ، فقد رويَ أن
الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- قد ذكر عند حفصة أصحابه الذين بايعوه تحت الشجرة
فقال :( لا يدخل النار إن شاء الله أصحاب الشجـرة الذين بايعوا تحتها )
فقالت
حفصـة :( بلى يا رسـول الله ) فانتهـرها ، فقالت حفصـة الآية
الكريمة .
قال تعالى :"( وإنْ منكم إلا واردُها كان على
ربِّك حتماً مقضياً ")
فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-
قال الله تعالى :"( ثم ننجي الذين اتقوا ونذرُ
الظالمين فيها جثِيّاً ")
الطـلاق
طلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حفصة طلقةً
رجعية ، وذلك لإفشائها سِرّاً استكتمها إيّاه ، فلم تكتمه ، وقصة ذلك أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- خلا يوماً بمارية -رضي الله عنها- في بيت حفصة ، فلمّا انصرفت
مارية دخلت حفصة حجرتها وقالت للنبي -صلى الله عليه وسلم- :( لقد رأيت من كان عندك
، يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئاً ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك في يومي ، وفي دوري
وفي فراشي ) ثم استعبرت باكية ، فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- باسترضائها
فقال :( ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها ؟) قالت :( بلى )
فحرّمها وقال لها :(
لا تذكري ذلك لأحدٍ ) ورضيت حفصة بذلك ، وسعدت ليلتها بقرب النبي -صلى الله عليه
وسلم- حتى إذا أصبحت الغداةَ ، لم تستطع على كتمان سرّها ، فنبّأت به عائشة ، فأنزل
الله تعالى قوله الكريم مؤدِّباً لحفصة خاصة ولنساء النبي عامة
.
قال الله تعالى :"( وإذْ أسرَّ النبي إلى بعض
أزواجه حديثاً ، فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلما
نبّأها به قالت من أنبأك هذا ، قال نبّأني العليم الخبير ")
فبلغ ذلك عمر فحثا التراب على رأسه وقال :( ما يعبأ الله بعمر
وابنته بعدها ) فنزل جبريل -عليه السلام- من الغَدِ على النبي -صلى الله عليه
وسلم- فقال :( إن الله يأمرك أن تُراجِعَ حفصة رحمة بعمر )
وفي رواية أن جبريل
قال :( أرْجِع حفصة ، فإنها صوّامة قوّامة ، وإنها زوجتك في الجنة )
اعتزال النبي لنسائه
اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه شهراً
، وشاع الخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد طلّق نساءه ، ولم يكن أحد من
الصحابة يجرؤ على الكلام معه في ذلك ، واستأذن عمر عدّة مرات للدخول على الرسول
-صلى الله عليه وسلم- فلم يؤذن له ، فذهب مسرعاً الى بيت حفصة ، فوجدها تبكي فقال
:( لعلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قد طلّقك ؟ إنه كان قد طلّقك مرةً ، ثم
راجعك من أجلي ، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلمك أبداً )
ثم ذهب ثالثة
يستأذن في الدخول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأذِنَ له ، فدخل عمر والنبي
-صلى الله عليه وسلم- متكىء على حصير قد أثر في جنبه ، فقال عمر :( أطلقت يا رسول
الله نساءك ؟) فرفع -صلى الله عليه وسلم- رأسه وقال :( لا)
فقال عمر :( الله
أكبر ) ثم أخذ عمر وهو مسرور يهوّن على النبـي -صلى الله عليه وسلم- ما لاقى من
نسائـه ، فقال عمر :( الله أكبر ! لو رأيتنا يا رسـول اللـه وكنّا معشر قريش قوماً
نغلِبُ النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن
من نسائهم ، فغضبتُ على امرأتي يوماً ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ،
فقالت :( ما تُنْكِر أن راجعتك ؟ فوالله إن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-
ليراجعْنَهُ ، وتهجره إحداهنّ اليوم الى الليل ) فقلت :( قد خاب من فعل ذلك منكنّ
وخسِرَتْ ، أفتأمَنُ إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- فإذاً هي قد هلكت ؟) فتبسّم رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-
فقال
عمر :( يا رسول الله ، قد دخلت على حفصة فقلت :( لا يغرنّك أن كانت جاريتك -يعني
عائشة- هي أوْسَم وأحبُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك )
فتبسّم الرسول
-صلى الله عليه وسلم- ثانية ، فاستأذن عمر -رضي الله عنه- بالجلوس فأذن له
وكان -صلى الله عليه وسلم- أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً من شدّة
مَوْجدَتِهِ عليهنّ ، حتى عاتبه الله تعالى ونزلت هذه الآية في عائشة وحفصة لأنهما
البادئتان في مظاهرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والآية التي تليها في أمهات
المؤمنين .
قال تعالى :( إِن تَتُوبَا إلى اللهِ فقد
صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظَاهرا عَلَيه فإنّ اللهَ هوَ مَوْلاهُ وجِبريلُ
وَصَالِحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ _ عسى رَبُّهُ إن طلَّقَكُنَّ أن
يُبْدِلَهُ أزواجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِماتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائِحاتٍ
ثَيَّباتٍ وأبكاراً )
فما كان منهن وآيات الله تتلى على
مسامعهن إلا أن قلنَ
قال تعالى :( سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك
المصير )
وارِثة المصحف
لقد عكِفَـت أم المؤمنين حفصـة على تلاوة
المصحف وتدبُّره والتأمـل فيه ، مما أثار انتباه أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-
مما جعله يُوصي الى ابنته ( حفصة ) بالمصحف الشريف الذي كُتِبَ في عهد أبي بكر
الصدّيق بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وكتابته كانت على العرضة الأخيرة
التي عارضها له جبريل مرتين في شهر رمضان من عام وفاته -صلى الله عليه
وسلم- ولمّا أجمع الصحابة على أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان في جمع الناس على
مصحف إمامٍ ينسخون منه مصاحفهم ، أرسل أمير المؤمنين عثمان الى أم المؤمنين حفصة
-رضي الله عنها- :( أن أرسلي إلينا بالصُّحُفِ ننسخها في المصاحف )
فحفظت أم
المؤمنين الوديعة الغالية بكل أمانة ، وصانتها ورعتها .
وفاتها
وبقيت حفصة عاكفة على العبادة ، صوّامة قوّامة
إلى أن توفيت أول ما بويع معاوية سنة إحدى وأربعين ، وشيّعها أهل المدينة الى
مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن .
خديجة
بنت خويلد
أم
المؤمنين
والله ما أبدلني الله خيراً منها
قد آمنت بي
إذ كفر بي الناس وصدَّقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد
الناس حديث شريف .
بداية التعارف
كانت السيدة خديجة امرأة تاجرة ذات شرف و مال
، فلمّا بلغها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم
أخلاقه ، بعثت إليه فعرضـت عليه أن يخرج في مالٍ لها الى الشام تاجراً ، وتعطيـه
أفضل ما كانت تعطي غيره من التجـار ، مع غلام لها يقال له مَيْسَـرة ، فقبل الرسول
-صلى الله عليه وسلم- وخرج في مالها حتى قَدِم الشام وفي الطريق نزل الرسول -صلى
الله عليه وسلم- في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان فسأل الراهب ميسرة :(
من هذا الرجل ؟) فأجابه :( رجل من قريش من أهل الحرم )
فقال الراهب :( ما نزل
تحت هذه الشجرة قطٌ إلا نبي )
ثم وصلا الشام وباع الرسول -صلى الله عليه
وسلم- سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد ، ثم أقبل قافلاً الى مكة ومعه ميسرة ،
فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدَّ الحرّ يرى مَلَكين يُظلاَّنه -صلى الله عليه
وسلم- من الشمس وهو يسير على بعيره ولمّا قدم -صلى الله عليه وسلم- مكة على خديجة
بمالها باعت ما جاء به فربحت ما يقارب الضعف .
الخطبة و الزواج
وأخبر ميسرة السيدة خديجة بما كان من أمر محمد
-صلى الله عليه وسلم- فبعثت الى رسول الله وقالت له :( يا ابن عمّ ! إني قد رَغبْتُ
فيك لقرابتك ، وشرفك في قومك وأمانتك ، وحُسْنِ خُلقِك ، وصِدْقِ حديثك )
ثم عرضت
عليه نفسها ، فذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك لعمّه الحبيب الذي سُرَّ وقال
له :( إن هذا رزقٌ ساقهُ الله تعالى إليك ) ووصل الخبر الى عم السيدة خديجة ،
فأرسل الى رؤساء مُضَر ، وكبراءِ مكة وأشرافها لحضور عقد الزواج المبارك ، فكان
وكيل السيدة عائشة عمّها عمرو بن أسد ، وشركه ابن عمها ورقة بن نوفل ، ووكيل الرسول
-صلى الله عليه وسلم- عمّه أبو طالب
وكان أول المتكلمين أبو طالب فقال :(
الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم ، وزرع إسماعيل وضئضئ معد ، وعنصر مضر ،
وجعلنا حضنة بيته ، وسُوّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً ، وجعلنا
الحكام على الناس ، ثم إن ابن أخي هذا ، محمد بن عبد الله لا يوزن برجلٍ إلا رجح به
، وإن كان في المال قِلاّ ، فإن المال ظِلّ زائل ، وأمر حائل ، ومحمد مَنْ قد عرفتم
قرابته ، وقد خطب خديجة بنت خويلد ، وقد بذل لها من الصداق ما آجله وعاجله اثنتا
عشرة أوقية ذهباً ونشاً -أي نصف أوقية- وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل
)
ثم وقف ورقة بن نوفل فخطب قائلا :( الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ،
وفضلنا على ما عددت ، فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة
فضلكم ، ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم ولا شرفكم ، وقد رغبنا في الإتصال بحبلكم
وشرفكم ، فاشهدوا يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله )
كما تكلم عمُّهـا عمرو بن أسـد فقال :( اشهدوا عليّ يا معاشـر قريـش أنّي
قد أنكحـت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد ) وشهـد على ذلك صناديـد
قريـش .
الذرية الصالحة
ولدت السيدة خديجة للرسول -صلى الله عليه
وسلم- ولده كلهم إلا إبراهيم ، القاسم -وبه كان يكنى- ، والطاهر والطيب -لقبان لعبد
الله - ، وزينب ، ورقيـة ، وأم كلثـوم ، وفاطمـة عليهم السلام
فأما القاسـم وعبد
اللـه فهلكوا في الجاهلية ، وأما بناتـه فكلهـن أدركـن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه
-صلى الله عليه وسلم .
إسلام
خديجة
وبعد الزواج الميمون بخمسة عشر عاماً نزل
الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمنت به خديجة ، وصدقت بما جاءه من الله ،
ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله ، وصدق بما جاء منه ، فخفف الله
بذلك عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له ،
فيحزنه ذلك ، الا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه وتصدقه ،
وتهون عليه أمر الناس ، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أمرت أن أبشر خديجة
ببيت من قَصَب -اللؤلؤ المنحوت- ، لا صخب فيه ولا نصب ) .
عام المقاطعة
ولمّا قُضيَ على بني هاشم وبني عبد المطلب عام
المقاطعة أن يخرجوا من مكة الى شعابها ، لم تتردد السيدة خديجة في الخروج مع رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- لتشاركه أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهية التي
يحملها وعلى الرغم من تقدمها بالسن ، فقد نأت بأثقال الشيخوخة بهمة عالية وكأنها
عاد إليها صباها ، وأقامت قي الشعاب ثلاث سنين ، وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله
تعالى .
عام الحزن
وفي العام العاشر من البعثة النبوية وقبل
الهجرة بثلاث سنين توفيت السيدة خديجة -رضي الله عنها- ، التي كانت للرسول -صلى
الله عليه وسلم- وزير صدق على الإسلام ، يشكـو إليها ، وفي نفس العام توفـي عـم
الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبو طالب ، لهذا كان الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم-
يسمي هذا العام بعام الحزن .
رقية
بنت رسول الله
رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
أمها خديجة بنت خويلد ، ولِدَت بعد زينب ، أسلمت مع أمها وأخواتها ، هاجرت
الهجرتين إلى الحبشة أولاً ثم إلى المدينة ثانية .
زواجها الأول
تزوجها عُتبة بن أبي لهب بعد البعثة فلمّا
نزلت الآية الكريمة قال تعالى :( تبتْ يَدا أبي لهبِّ وتبّ
)
قال أبوه :( رأسي من رأسك حرام ، إن لم تُطلِّق بنته )
وقد
سأله الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يطلقها ، وأيضاً رقية سألته ذلك ، ففعل
وفارقها قبل الدخول .
زواجها من عثمان
تزوّجها عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وولدت
له عبد الله ، وبه كان يُكنّى ، وبلغ ست سنين ثم توفيَ .
الهجرتين
عندما أذن الله للمسلمين بالهجرة الى الحبشة ،
هاجرت رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوجها عثمان بن عفان الى الحبشة ،
وبعدها هاجروا الى المدينة مع المسلمين .
وفاتها
توفيت -رضي الله عنها- ورسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ببدر ، فقد أصابتها الحصبة ، وأذن الرسول الكريم لعثمان بالتخلف عن بدر
من أجلها رحمها الله .